أهلا شهر الصبر
يربي الله الناس على الوحدة والجماعة
تربية عملية، من هنا شرع الجماعة لأهل الحي المتجاورين خمس مرات في
اليوم والليلة، يتعارفون ويتآلفون، فإن مرض أحدهم عاده رفاقه، وإن
التقوا تعاونوا فتناصحوا وتناصروا، فقويت المودة بينهم إلى أن يصيروا
أمة واحدة، تعرف الحق بالدليل وتدعوا إليه.
شرع لمجتمع أكبر بقدر الطاقة مرة في الأسبوع في صلاة الجماعة يوم
الجمعة، ولم يسمح بتعددها إلا في أضيق الحدود لتكبر وتكثر الجماعة
شيئاً فشيئاً، وجمع أهل البلد مرتين في السنة، في صلاة العيد: عيد
الفطر، وعيد الأضحى، هكذا جمع بين أهل البلد الواحد حسياً وقَوَّى
الرابطة بينهم كأثر من آثار اللقاء، إلا أن المجتمع لا يزال بحاجة إلى
ما يقويه، يثبت ذلك في النفوس، فشرع الصيام يعلم الناس الانضباط،
فيمسكون عن الشهوات المادية في وقت محدد لا يجوز تخطيه، يلتزمون بلا
رقيب ولا حسيب إلا الله، فيتدربون على المراقبة، ينمو في أنفسهم الخوف
من الله، والإحساس به، فلا يفعلون ولا يتركون إلا بعد معرفة حكمه في
الفعل والترك، فينشأ عن ذلك آصرة الجماعة، جماعة المجتمع الواحد، ولاؤه
واحد، وجهته واحدة، هدفه واحد: عمارة الكون وإصلاح الحياة، وجمع الناس
كل الناس على اختلاف ما بينهم مرة واحدة في العمر، يلتقون عند البيت
الذي يستقبلونه في عباداتهم، فيصهرون في بوتقة واحدة ليكونوا أمة واحدة
كالجسد الواحد تتألم لألم بعضها، وتسعد لسعادته، تقويه وتقوي به.
فلنسع لتحقيق ذلك في مجتمعنا البعيد عن
الدين، ولنعرِّف الناس بمحاسن الإسلام، وننمي في أنفسهم هذا المعنى
المفقود في بعض المجتمعات المعاصرة، فرمضان عندهم مناسبة للتفنن في
إعداد المائدة: من المقبلات إلى أصناف المأكولات، إلى الفواكه
والحلويات ليلهم طعام، نهارهم نيام، حياتهم لهو وسمر، ما لهذا شرع الله
الصيام، شرعه مدرسة تربي الناس على الأخلاق النبيلة والقيم السامية،
يشعر فيه الناس أنهم أمة واحدة: تمتنع عن الحلال الطيب ساعة من نهار،
لتتعلم الامتناع عن الحرام ما توالى الليل والنهار.
الصوم يعلم المسلم أن الماء نعمة عظيمة يجب حفظها والمحافظة عليها بشتى
الوسائل، فلا يسرف في استعماله: في وضوء أو غسل، ولا يطلقه على الطريق
لهواً وعبثاً، فإنه عصب الحياة. يراقب الصائم ربه في خلوته وجلوته،
فتحسن معاملته لإخوانه، ويؤدي الصلاة في وقتها في المسجد جماعة، فتصفو
نفسه، ويطهر قلبه من الحقد والحسد، والعجب والكبر فالناس إخوانه، يعيش
معهم، واحداً منهم يسعده ما يسعدهم، ويشقيه ما يشقيهم، يأكل معهم ويمسك
معهم.
ثلاث عشرة سنة عانى المسلمون فيها من ظلم
المشركين ما أهلهم ليحققوا الانتصار على عدوهم، في بدر إلى فتح مكة
مروراً بأحد والخندق وبني المصطلق وبني قريظة وتبوك، صبروا في مكة فقوي
عودهم، وظُلموا فتحاشوا الظلم وأقاموا العدل، فكانت دولتهم مثالاً
يقتدى به، ويسار على نهجه، كان الفضل في تحقيق ذلك لله، بما غرس في
قلوبهم من الصبر.
وإذا ذُكر رمضان ذكر الخلاف في إثبات
الشهر حسابياً، لماذا لا نعتمد الحساب، أسئلة كثيرة واعتراضات أكثر
سببها عدم العلم بحكمة التشريع، ذلك أن الشريعة أرادت من فرض رؤية
الهلال بالعين المجردة، وفرضت على الناس فرضاً كفائياً لأمور كثيرة
منها:
1- تزكية روح الجماعة في المجتمع
وجعل المسلم يشعر أنه مسئول، قوله معتبر، يعمل به إذا ظهر ما يؤيده من
رؤية مشاركيه في المجلس.
2- تزكية الألفة بين الرئيس والمرؤوس حين يلتقون على صعيد من الأرض، لا
ما يميز بينهم هناك يتعرف الرئيس على المرؤوس ويتبادلان الآمال والآلام
والتطلعات فتحقق الألفة، ويزول ما بينهم من جفاء، لأن الإنسان عدو ما
جهل.
وإذا ثبت الشهر بإشارة أحد المواطنين علم
أنه مسئول مقبول قوله فتكون سعادته عظيمة، ويحس بأن له قيمة في
المجتمع.
يطل علينا رمضان ونحن في أمس الحاجة إلى
ما يطهر القلوب، ويرص الصفوف، ويجمع الكلمة، الناس في بلادنا في غفلة
يعيشون، همهم البحث عن المال، لا يفرقون بين حلال مقطوع بحله، أو في
حله شبهة، وشبابنا يبحث عن عمل لا يهم ما هو، المهم أن يأتي بالمال
الكثير.
فلنجعل من قدومه فرصة
نعود فيها إلى الله، نسعى إلى ما يرضيه، ويحقق السعادة الأبدية.
أسأل الله أن يعيده على
الناس بالأمن والأمان والسلامة والإسلام، وكل عام وأنتم بخير.
الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة