مقارنة بين غزوتين؟!!- من وحي سورة سورة آل عمران الآيات 121- 149
يذكِّر الله
المؤمنين مخاطباً نبيه تشريفاً له: اذكر يا محمد وقت خروجك من بيتك أول
النهار مع ساعات الفجر الأولى تحدد مواقع جلوس كل جماعة من المجاهدين؛
ذلك أن الله سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم، حين همت طائفتان بالفشل، لم
يسم الله الطائفتين لكن أثنى عليهم فبين أنهم مستنصرون به وأنه ناصر
لهم، وحاول المفسرون البحث عنهم ومعرفتهم، ولا يتعلق بمعرفتهما فائدة؛
لذلك لم يصرح باسمهما، على أن المذكورين سروا بثناء الله عليهم: بولاية
الله لهما، ومدحه إياهما بأنهما مؤمنون يتوكلون على الله لا على غيره.
ولما كان الصحابة الذين خرجوا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، من
خيرة الصحابة شرفهم بالنصر في أول غزوة غزاها المؤمنون، وكلفهم أن
يتقوا الله راجين أن يكون ذلك وسيلة إلى شكره على ما أنعم عليهم من نصر
شارك في حصوله آلاف خمسة من الملائكة الكرام إلى جانب الصبر والثبات في
المعركة وتقوى الله في السر والعلن، في المنشط والمكره؛ فلما واجهوا
العدو بثقة وصبر غير معتمدين على قوتهم المادية واثقين أن النصر بيد
الله يؤتيه من يشاء بلا أسباب أو مسببات؛ فإن الله غالب لا يُغالَب ولا
يُغلب؛ وأنما أخبرهم الله بأنه ممدٌّ المسلمين بخمسة آلاف من الملائكة
المعلَّمين بشارة للمؤمنين، يرفع معنوياتهم ويشد على أيديهم لينصروا
الحق ويواجهوا أعداءه، ويخوف أعداءه فلا يجرؤن على الإساءة، أدَّب
المؤمنين في شخص رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فمنعهم
من أن يحكموا على معين بالإيمان والخلود في الجنة أو الكفر والخلود في
جهنم، وبين لهم أن الله هو الحكم العدل، صاحب الإرادة النافذة والحكم
المبرم الذي لا راد له ولا معقب عليه. فالله مالك السموات والأرض يغفر
لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور سبقت رحمته غضبه الرحيم لمن شكر
الرحمة الابتلائية فعلى العباد الفقراء أن يخضعوا له ويطيعوا أمره،
ويمتنعوا عن معصيته. من هنا جاء النهبي عن أكل الربو أضعافاً مضاعفة –
وأي فائدة مركبة تؤول إلى أضعاف مضاعفة – والنهي عن أكل الربو نهي عن
التعامل به في جميع التعاملات من ملبس ومسكن وتعليم وطبابة وغير ذلك.
ولما كان الحلال والحرام لا يعلمه إلا متعاطيه ناسب أن يأمرهم
بتقوى الله؛ لأنه سبيل الفوز في الدنيا والآخرة، وحذرهم من النار
ليردعهم عن الوقوع في المحرم، فيستحقوا النار. لذلك أمرهم أن يجعلوا
بينهم وبين النار التي أعدت للكافرين؛ لأنهم كافرون، أمرهم أن يجعلوا
من طاعة الله سداً يقيهم النار.
ولما كان هذا متمثلاً بطاعة الله وطاعة الرسول أمرهم بذلك راجين
أن يظفروا برحمة الله في الآخرة؛ ولما كان أهل الجنة ثلاث مراتب أمرهم
أن يحرصوا على أن يكونوا في أرفعها مرتبة: مرتبة السابقين المقربين،
أمر بالمسارعة إلى مغفرة من الله طامعين في دخول جنة عرضها السموات
والأرض، حُضِّرت وهُيأت للذين ائتمروا بما به الله أمر، وانتهوا عما
عنه نهى وزجر، ووصفهم بصفات خمسة: ينفقون حال سرورهم وحال ضيقهم إذا
كانوا موسرين أو معسرين، فرحين أو حزانى، أصحاء أو مرضى، ينفقون لله،
طاعة له ورغبة فيما أعد لأوليائه مطيعون لرسول الله لا يقابلون السيئة
بالسيئة لكن بالحسنة مع قدرتهم على البطش والانتقام؛ لأن دينهم
وإيمانهم يأبى عليهم ذلك، العفو عن المسيء خُلُقُهم، والإحسان إليه،
صفة نابعة من صفاء أنفسهم، يَسَعُونَ الناس بأخلاقهم، ويتحببون إليهم
بأعمالهم يراقبون الله فيما يأتون ويذرون، أحسنوا العمل والتعامل، وإذا
ما أخطئوا سارعوا إلى التوبة والإنابة، ذاكرين الله في سائر أوقاتهم؛
فإذا ذكروا صفات الجلال سارعوا إلى التوبة والندم قبل فراق الدنيا، حتى
إذا ما فارقوها انتقلوا تائبين منيبين غير مصرين على معصية الله، وإذا
ذكروا صفات الجمال أنسوا بالله ولانت قلوبهم له. جمعوا بين الخوف
والرجاء، فاستحقوا أن ينجز لهم الله ما وعدهم: جنات تجري من تحتها
الأنهار، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر، فنعم
الأجر أجر العاملين أجرهم.
ثم لفت الله نظر المخاطبين إلى التاريخ: شاهد صدق، فالسعيد من
وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه، فقال لهم: قد مضى أمم من قبلكم ممن كذب
الرسل فانتقم الله منهم فسيحوا في أرض الله وتأملوا فيما حل بهم، فليس
راءٍ كمن سمع، وإخبار الله أقوى وأثبت في النفس من رأي العين؛ لذلك
قال: إن ما أخبر به يبين للناس الحقيقة كما هي يقيم لهم الدليل الحسي
ليعتبروا به فيقلعوا عن الكذب والتكذيب، وتخويف للمتقين الذين ينتفعون
بما يرون ويسمعون، ويتبعون الطريق الذي أرشدهم الله إليه فيسيرون
واثقين عاملين منتجين لا يضعفون ولا يحزنون؛ لأنهم أعزة بالله، يعلمون
أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم؛ لأن أمرهم
كله بيد الله الحكم والعدل. فإن أصابهم نعمة شكروها، وإن أصابهم بلاء
وجراح احتسبوا، ورجو الأجر من الله. إن ما يصيب أولياء الله في نصرة
الحق والدفاع عنه يصيب مثله أعداءه وتراهم ثابتين في حربه، ولا يرجون
شيئاً، فأحرى بالثبات والصبر في مواجهة الأعداء المؤمنون الواثقون بما
أعد الله لأهل طاعته.
إن الدنيا دار ابتلاء يعطيها الله ويمنعها ابتلاءً يميز بذلك
الخلق فيظهر صدق أوليائه وزيف المخادع الذي أظهر خلاف ما أبطن فيعرفه
الناس على حقيقته فلا ينخدعوا له.
ولما كانت الأيام دول تارة تكون النصرة لأولياء الله، وأخرى
لأعدائه؛ كان في مقاتلة أهل الباطل نصرة للحق مناسبة يتخذ الله شهداء
من أوليائه للحق وعليه، ويمحِّص المؤمنين أي يطهرهم ويصفي أنفسهم من
الأكدار والأغيار، ويكون الجهاد وسيلة لتطهير الأرض من فساد الكفار
وظلمهم وحماية العباد من شرهم؛ فالله حرم الظلم على نفسه وبين خلقه،
فشرع الجهاد لنصرة الحق وإقامة العدل ورفع الظلم عن خلق الله. فهل يظن
المؤمنون أن يُدخَلوا الجنة دون عمل منتج مفيد، ورأس هذا العمل وذروة
سنامه بذل الجهد واستفراغ الوسع في إقامة العدل ونشر الفضائل والقيم
بين الناس، والصبر على طاعة الله وعن معصيته والصدق في القول والعمل؛
لذلك ذكَّر القرآن الكريم المؤمنين بما كانوا عليه من شوق إلى الجهاد
في سبيل الله لنصرة دين الله، وإقامة العدل ومنع الظلم، قبل أن يأذن
الله لهم بالجهاد، حتى إذا ما حان وقت الوفاء، وأشيع إن محمداً قد مات
جبنتم عن مقاتلة عدوكم؟ وما كان من أنس بن النضر وموقفه الواثق وإيمانه
العميق، إن محمداً رسول قد بعث الله قبله رسلاً ختمهم به ألأن مات
تتركون الحق الثابت وتعودون إلى الباطل الزائل؟ إن الله حي لا يموت،
قهر خلقه بالموت في وقت لا يعلمه إلا الله في مكان لا يعلمه إلا هو،
فسهم الموت منطلِقٌ إلى كل مخلوق من ساعة ولادته، وعمره الوقت الذي
يستغرقه سهم الموت حتى يبلغ هدفه.
والله أعطى الإنسان رزقاً يكفيه عمره، والعمر لا ينقص ولا يزيد،
ولا يستطيع مخلوق أن يأخذ من عمر مخلوق، فالقتيل ميِّت بعمره، ولو صبر
القاتل لمات القتيل حتف أنفه، وإنما كسب القاتل العزم والتخطيط
والتنفيذ، فليختر كل إنسان ما يريد، فمن يرد ثواب الدنيا - ما فيها من
جاه ومال وظل زائل – يؤته الله منها، ومن يرد ثواب الآخرة يؤته الله
منها – ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر – ووعد الله
الشاكرين بأكرم جزاء.
إن من يختار الفانية ويبذل عمره في تحصيلها لا يضر إلا نفسه،
ولا يكون له إلا ما أعطاه الله، وسرعان ما يتركها ويمضي، كما جاء إليها
وحيداً لا يحمل من متاعها شيئاً، ومن يختار ما عند الله ويبذل نفسه
وماله في نصرة الحق وإقامة العدل ومنع الظلم، شأن العلماء البصراء
بتربية الناس على الفضائل عملياً، فينصر الأنبياء ويقاتل معهم لإلزام
الخلق بمنهج الله كمثل الذين ضربوا أروع الأمثلة في الصبر والصدق
والثبات، ملتجئين إلى الله معتمدين عليه محتمين به، يعزه الله في
الدنيا بطاعته ونصرة دينه، وفي الآخرة بنعيم لا ينفد وقرة عين لا
تنقطع، ومحبة الله أورثتهم مراقبة وطاعة وعملاً منتجاً بناءً وخلقاً
كريماً.
وبعد ففي بدر كانت القلوب عامرة بالإيمان والرغبة فيما عند
الله، وحصل الخلاف على الأموال بعد انتهاء المعركة أما في أحد فعصى بعض
المقاتلين بتأويلٍ أمر رسولِ الله للرماة فنـزلوا عن الجبل ظانين أن
المعركة قد انتهت، فكان ما كان من قتلٍ لخيرة أصحاب النبي، ولما عادوا
إلى الله ووحدوا صفهم وجمعوا كلمتهم وثبتوا وخرجوا في إثر العدو نصرهم
الله، فنصر الله لأوليائه رهن بالإيمان به، ووحدة الصف والصبر والصدق،
ونبذ الفرقة والاختلاف.
فاللهم طهر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعمالنا من
الرياء.
الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة