الصوفي الحق
زوَّد
الله الإنسان بالعقل يعينه في النظر والاعتبار فيما يرى ويسمع،
والتاريخ خير ما ينظر فيه ويبحث عن الأمور المفيدة في ما يستقبل من
الأيام؛ لأن الناس هم الناس، وإن اختلفت صورهم فجوهرهم وطباعهم لا
تختلف، فمن عرف الماضي استطاع أن يستشرف الحاضر والمستقبل، ويدل على
هذا فعل أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ،رضي الله عنه،
لما ولي الخلافة وانتظمت إليه الأمور، وأذعن لأمره
الجمهور، استحضر ليلة خواص أصحابه وذاكرهم وقائع أيام صفين، ومن كان
يتولى كبر الكريهة من المعروفين وآل حديثهم إلى من كان يجتهد في إيقاد
نار الحرب عليهم بزيادة التحريض، فقالوا: امرأة من أهل الكوفة تسمى
الزرقاء بنت عدي كانت تعتمد الوقوف بين الصفوف، وترفع صوتها صارخة
بأصحاب علي تسمعهم كلاماً مؤثراً يخترق قلوبهم كالسيوف الصارمة الشديدة
القطع. تأثيره بليغ يجعل السامع ينقاد إلى ما تدعو إليه بنفس راضية
وحماس منقطع النظير، تحثهم على نصرة علي، رضي الله عنه، يقول: لو سمعه
الجبان لقاتل، والمدبر الفار من المعركة لأقبل إلى الحرب بحزم وعزم،
والمسالم الذي لا يريد القتال ولا يرغب فيه لحارب، والفار لكر وعاد
واثقاً بالنصر عازماً على القتال، والمتزلزل لاستقر، فقال لهم معاوية:
أيكم يحفظ كلامها؟ قالوا كلنا نحفظه، قال: فما تشيرون، قالوا: نشير
بقتلها، فإنها أهل لذلك.
لحظة من فضلك اسمح لي
قبل أن أتابع القصة أن أقف بك قليلاً مع العبر.
إنها الكلمة تثير
المشاعر، تحرك العواطف، أثرها بليغ، تفعل بالنفس فعل السحر، تثير
الناس، من هنا رأينا النبي يوجب الانتباه إليها والحذر منها، ومراقبة
الله فيها فيقول: رب كلمة يقولها الرجل لا يلقى لها بالاً يهوي بها
أربعين خريفاً في نار جهنم، ما ذاك إلا لأن الملائكة تحصيها عليه
فيحاسب حساباً عسيراً، ويصلى قائلها سعيراً في الدنيا بما يثير من
أحقاد، وفي الآخرة بما ينـزل به من عذاب، وفي طلب معاوية المشورة من
خواص أصحابه دليل على أن المرء ضعيف بنفسه قوي بأخيه، والمشورة تكسب
الرأي قوة إذا كان المستشار ناصحاً أميناً سليم القلب من الحقد والحسد،
إذا كان مؤتمناً، مكملاً لأخيه، يصوب رأيه ويسدده، لكن إذا كان
المستشار متسرعاً قليل الخبرة أوقع مستشيره في الخطأ، من هنا كان عليه
أن يكون بعيد النظر بصيراً بالعواقب فلا يقبل من الأقوال إلا ما فيه
مصلحة، فانظر إلى قول معاوية: "بئسما أشرتم به، وقبحاً لما قلتم"، لم
يعجبه قولهم لما فيه من حمق وتسرع وعدم النظر في العواقب، وما يجره
عليه فعل ما أشاروا به من سوء، بيَّنه بقوله: "أَيحسن أن يشتهر عني
أنني بعدما ظفرت وقدرت أقتل امرأة قد وفت لصاحبها، إني إذاً للئيم، لا
والله لا فعلت ذلك"؛ لأن العاقل يحترم الأوفياء لأنهم صادقون، والقوي
ما كان ولا صح أن يقتل من يخالفه في الرأي؛ لأنه يخالفه، بل يُحسن إليه
ويُقبل عليه ويحاول أن يفيد منه، فالمجتمع لا يمكن أن يقوم على التسلط
والتفرد، ولكن يقوم على التعاون والتناصح والتناصر، ومن يفِ لغيرك يفِ
لك ويصدق معك.
ما أحوج مجتمعنا إلى
الحلم والصدق والوفاء نقيم على أساسه العلاقة بين أفراده، لنكوِّن
مجتمعاً قوياً يهابه الأعداء، وينعم به الأصدقاء.
إن من يريد أن يبني
يحتاج إلى الجميع؛ لأنه لا يمكنه البناء منفرداً، من هنا دعا معاوية
t كاتبه وأمره
بكتابة رسالة إلى عامله على الكوفة: "أن أوفد علي الزرقاء بنت عدي مع
نفر من عشيرتها، وفرسان من قومها، ومهد لها وطاءًا ليناً، ومركباً
ذلولاً"؛ إنه أدب المسلم: المرأة لا تسافر من الكوفة إلى الشام إلا مع
ذي رحم محرم، وهذا ما دعا معاوية أن يطلب من واليه أن يرافق الزرقاء
ثلاثة إلى تسعة من أفراد أسرتها الأقربين، وهذا مفهوم من الرسالة؛ لأن
مرافقة ذي رحم محرم للمرأة في سفرها أمر لا يحتاج إلى دليل، والمرأة
تحتاج إلى من يحرسها في عبورها الصحارى والقفار، فالعرب تسمي الصحراء
مفازة لأنها مظنة الهلاك تسميها مفازة تفاؤلاً وطمعاً في حصوله، والسفر
يستغرق وقتاً طويلاً وفيه مشقة شديدة على المرأة الفتية فضلاً عن
المتقدمة في السن، والمركب الذلول الذي يسير الهوينا يخفف العناء،
والفراش اللين يريح المسافر ، وهذا ما دعا معاوية إلى القول: "... ومهد
لها وطاءًا ليناً، ومركباً ذلولاً"، فانظر يا أخي إلى المنهج الذي
اتبعه معاوية في معاملة مخالفيه، وتربية مساعديه، وقارن بينه وبين
أساليب بعض المعاصرين من مدعي التدين تدرك شدة حاجتنا إلى التأدب بآداب
السابقين، والتحلي بأخلاق الفاضلين.
ولما وصل كتاب أمير
المؤمنين إلى والي الكوفة أرسل إلى الزرقاء بنت عدي وأخبرها أن أمير
المؤمنين يدعوها، وأقرأها الكتاب، قالت: ما أنا بزائغة عن الطاعة.
إنه الواجب: طاعة ولي
الأمر، أمر مقرر في أصول الشريعة؛ لأنه رأس الدولة والمسئول عن جميع
أفراد المجتمع، فلا يمكنه العمل إلا إذا أعانه الناس فكانوا إلى جانبه،
يمدون إليه يد العون ويطيعونه، وإن لم يحبوه ويرضوا عن جميع أفعاله.
فحملها في هودج (شيء
كمثل الغرفة الصغيرة جدرانه من القماش، يثبت على ظهر الجمل، يستر
المرأة ويحميها من حر الشمس وبرد الليل)، ونفذ جميع ما أمره به أمير
المؤمنين، ليثبتها على الطاعة ويقوي عزيمتها إذا رأته سميعاً مطيعاً.
فلما قدمت على معاوية
قال لها: "مرحباً وأهلاً خير مقدم قدمه وافد"، أي أرحب بك وأحييك أطيب
تحية، قدمت أهلاً ووطأت سهلاً، أرجو أن يكون مقدمك خير مقدم قدمه وافد،
هذه الكلمات: مرحباً وأهلاً إلى آخره كلمات يقولها العربي يؤنس بها
وحشة الوافد إلى قوم لا يعرف عنهم إلا القليل، زاد معاوية لإدخال
الطمأنينة إلى قلب ضيفه، كيف حالك يا خالة، وكيف رأيت سيرك؟ قالت: خير
مسير.
ثم شرع معاوية يحدثها
بلطف ورفق يتألفها، قال: هل تعلمين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب
إلا الله، فمن أين لي أن أعلم، دون إعلامك، قال معاوية: "ألست أنت
راكبة الجمل الأحمر يوم صفين وأنت بين الصفين توقدين نار الحرب وتحضين
على القتال؟ قالت: نعم". العرب تأنف من الكذب وتنفر عنه، وتحترم الصدق
وتحضُّ عليه، وترغب فيه، وإذ قد اعترفت كان السؤال الثاني "فما حملك
على ذلك"؟ إذا عرف السبب زال العجب. قالت: "يا أمير المؤمنين إنه قد
مات الرأس، وبشر الذنب، والدهر ذو عبر، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث
بعده الأمر، فقال: صدقت".
إن ما حملها على فعل ما
فعلت حبها لعلي t
وثقتها به، ونصرتها له، ووفاؤها لأمير المؤمنين في وقته.
مات الخلفاء الراشدون
الثلاثة وآل الأمر إلى علي فكان عليها أن تقف إلى جانب خير الناس بعد
من مضى، ولله درها ما أبلغ مقالها: "الدهر عبر" إن الحياة لا تدوم
لأحد، والدنيا دول، ولو دامت لغيرك ما وصلت إليك، وقريباً تصير إلى
مصير من سبقك، فاحرص على عمل ينفعك إذا وفدت على الله، فمن أعمل عقله
فيما يرى ويسمع يبصر الحق واضحاً جلياً كالشمس، وقولها والأمر يحدث
بعده الأمر، دليل على أن لكل فعل ردة فعل، والرضى بالفعل يوجب الرضى
بما تولد عنه، وقديماً قال الشاعر:
من
يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
فالعاقل لا يعمل إلا
خيراً، ولا يقول إلا حقاً.
وفي قول معاوية لها:
صدقت دليل على أن العاقل يقبل الحق بالدليل الواضح ممن جاء به؛ لأن
الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها التقطها. قال معاوية: فهل تحفظين
كلامك؟ قالت: لا والله. قال معاوية: لله أبوك لقد سمعتك تقولين: "أيها
الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس، وإن الكوكب لا يضيء مع القمر، وإن
البغل لا يسيق الفرس، ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا
أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه، أن الحق كان يطلب ضالة فأصابها، يا معشر
المهاجرين والأنصار، فكأنكم وقد التأم شمل الشتات، وظهرت كلمة العدل،
وغلب الحق الباطل، فإنه لا يستوي المحق والمبطل، كما دل عليه القرآن،
فالنـزال النـزال والصبر الصبر،..."؛ والصبر خير الأمور عاقبة، هيا إلى
الحرب غير ناكصين، قال معاوية: يا زرقاء أليس هذا قولك وتحريضك؟ قالت:
لقد كان ذلك. قال: لقد شاركت علياً في كل دم سفكه، فقالت: أحسن الله
بشارتك يا أمير المؤمنين، وأدام سلامتك، مثلك من بشر بخير، وسر جليسه،
قال معاوية: أوقد سرك ذلك، قالت: نعم والله لقد سرني قولك وأنى لي
بتصديقه، قال معاوية: والله لوفاؤك له بعد موته أعجب إلي من حبك له في
حياته، فاذكرني حوائجك تقضى لك، قالت: يا أمير المؤمنين إني آليت على
نفسي أن لا أسأل أحداً بعد علي حاجة. فقال: قد أشار علي بعض من عرفك
بقتلك، قالت: لؤم من المشير ولو أطعته لشاركته. قال: كلا بل نعفو عنك
ونحسن إليك ونرعاك. قالت: كرم منك يا أمير المؤمنين، ومثلك من قدر وعفا
وتجاوز عمن أساء أعطى من غير مسألة. فأكرمها وردها سالمة.
هذه الكلمات جزء من حوار
بين أمير المؤمنين معاوية وامرأة كانت تحارب في الشق المقابل، امرأة
عرفت الحق ووقفت معه وأقامت الأدلة المقنعة عليه، امرأة تثق بالله
وتعتمد عليه وتحتمي به، ألم تر أنها أقرت بجميع ما نسب إليها بثقة
وثبات، لم تنكر منه شيئاً؛ لأنها عرفت الحق ونصرته بالحجة الواضحة
المقنعة، لم تغير ولم تشك ولا نافقت ولكنها خضعت لأمير المؤمنين معاوية
لما بايعه المسلمون وتخلت عن الثورة عليه، ولما قال لها معاوية: لقد
شاركت علياً في كل دم سفكه. يحملها المسئولية عن كل ما كان؛ لأنه يعتقد
أن علياً مخطئاً في حرب معاوية وهي على عكسه، فسرت لأنها كانت واثقة أن
علياً كان يقاتل لنصرة الحق وإعلاء شأنه، ومع ذلك لم يمنعها حبها لعلي
وسعيها في نصرته من الالتحاق بالجماعة لما آل الأمر إلى معاوية، وتأمل
قول معاوية مع من كان عدواً له في الماضي، بل نعفو عنك ونحسن إليك
ونرعاك، هذا الحوار يجسد الوفاء والصدق والإيمان والحلم والصبر وصفاء
النفس من الأكدار والأغيار وصدق الولاء لله ولرسوله والمؤمنين.
فاللهم فقهنا في ديننا
وبصرنا بمحاسنه لنتمسك به حقاً.
الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة