الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

هدىً وبشرا للمؤمنين  
سورة النمل   الآيات 1 - 44


من مقاصد السورة الإمتنان على النبي صلى الله عليه وسلم بالآية الكبرى القرآن، والحث على شكرها والصبر على تبليغها، وهي مكية استفتحت بالحروف المقطعة على حرفين، وجعل الحرفين إشارةً إلى آيات القرآن ووصفه بأنه كتاب مبين، واضح في نفسه موضح لغيره، واضح لا لبس فيه من تدبره علم أنه من عند الله، لأن البشر لا يستطيعون مثله، ثم وصف القرآن بصفتين فقال:(طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ*هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ*الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) وصف الكتاب المبين بأن آياته هادية إلى الحق مرشدة إليه مبشرة للمؤمنين بالله ورسله واليوم الآخر، الذين ترجموا إيمانهم إلى عمل يؤدون الصلاة على أكمل وجه ويعطون زكاة أموالهم، يضعونها في مصارفها وهم موقنون بما في الآخرة من ثواب وعقاب، بدأ الحديث عن الآخرة ووجوب الإيمان بها، لأن الإيمان بالآخرة يصلح الدنيا يقومها ويقيمها على أساس يضبط حركة حياة الإنسان على الصراط المستقيم الموصل إلى رضوان الله والجنة فقال:(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ*أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) إن الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب حسنّا لهم أعمالهم السيئة فاستمروا على فعلها، فهم متحيرون لا يهتدون إلى صواب ولا رشد، والعمه عمى البصيرة لا عمى البصر، ولما كان أولئك القوم لا يؤمنون وتركوا ركناً أساسياً من أركان الإيمان بالله، ناسب أن يتوعدهم فقال أولئك الموصوفون بما ذكر هم الذين لهم العذاب في الدنيا بالقتل والأسر، وهم في الآخرة أكثر الناس خسراناً لأنهم يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بتخليدهم في النار، ثم أشاد بمكانة القرآن فقال:(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) وإنك أيها الرسول لتتلقى هذا القرآن المنزل عليك من عند حكيم في خلقه وتدبيره وشرعه، عليم لا يخفى عليه شيء من مصالح عباده. ولما كان القرآن كتاب هداية وإعجاز، يذكر من القصة ما يوضح غرضه ويكشف عن معانيها..خفاياها وخباياها، شرع بقصة موسى إذ كان قومه مجاورين للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة حاله وحالهم يعين على الدعوة ويدرب على نشر الحق الواضح، وتنقية المعتقد من الزيف، وبدأ القصة من حيث كان موسى عائداً من مدين إلى فلسطين وأبصر ناراً (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ*فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) اذكر أيها الرسول حين قال موسى لأهله إني أبصرت ناراً سآتيكم منها بخبر من أوقدها، عله يرشدنا إلى الطريق أو بشعلة من نار مأخوذة منها رجاء أن تستدفئوا بها من البرد، إذ كانت الليلة مظلمة والبرد شديد، وأضل موسى طريقه، فلما وصل إلى مكان النار التي أبصرها ناداه الله أن نزّه من في النار ومن حولها من الملائكة تعظيماً لرب العالمين وتنزيهاً له عما لا يليق به من الصفات التي يصفه بها الظالمون (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ*وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) قال له الله: يا موسى انه الشأن والحال أنا الله العزيز الذي لا يغالبني أحد، الحكيم في خلقي وتقديري وشرعي، هكذا هدأ من روعه تمهيداً للمعجزة التي سيريه، عساه أن يأنس ثم أمره فقال وألق عصاك، فامتثل موسى فلما رآها تضطرب وتتحرك كأنها حيةٌ ولّى مدبراً عنها ولم يرجع إليها، لأنه خاف على ما صرّح به في طه (فأوجس في نفسه خيفةً موسى) وقال هناك وهنا لا تخف منها فإني لا يخاف عندي المرسلون من حية ولا من سواها، لكن موسى خاف فهل يعني هذا أنه ليس مرسلا؟! أم لسبب آخر؟! يأتي الجواب (إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) لكن من ظلم نفسه بارتكاب ذنب ثم تاب بعد ذلك فإني غفور له رحيم به، هكذا هدأ من روعه وآنس وحشته وطمأن خاطره، ونقله إلى المعجزة الثانية بهدوء فقال:(وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) وأدخل يدك في فتحة قميصك من ما يلي الرقبة تخرج بعد إدخالك لها بيضاء كالثلج من غير برص ضمن تسع آيات تشهد بصدقك هي: اليد، العصا، السنون أعني القحط، نقص الثمرات، الطوفان، الجراد، القمل، الضفادع، الدم، إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوماً خارجين عن طاعة الله بالكفر به، أخذ موسى الآيات وانطلق إلى فرعون، إذ كان القرآن قد أشار إلى ذلك من قبل، فماذا كان من أمر فرعون وحاله؟ يأتي الجواب في قوله:(فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ*وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) فلما جاءتهم آياتنا هذه التي ايدنا بها موسى واضحةً ظاهرةً، قالوا هذا الذي جاء به موسى من الآيات سحر بيّن، وكفروا بهذه الآيات البينات واضحة الدلالة، لم يقروا بها في ظاهر الأمر وايقنت أنفسهم أنها من عند الله، وإنما لم يقروا بها في الظاهر بسبب ظلمهم أنفسهم وتكبرهم عن قبول الحق، فتأمل أيها الرسول كيف كانت عاقبة المفسدين في الأرض بكفرهم ومعاصيهم، فقد أغرقهم الله وقضى عليهم، من فوائد الآيات:

  • 1- القرآن هداية وبشرى للمؤمنين.
  • 2- الكفر بالله سبب في اتباع الباطل من الأعمال والأقوال والحيرة والإضطراب.
  • 3- تأمين الله لرسله وحفظه لهم من كل سوء.
وبعد أن ذكر من قصة موسى هذا القدر الذي يكفي لإقامة الحجة على أهل مكة وردعهم عن باطلهم، واستمالتهم لاتباع منهج الله، ناسب ان يُتبع ذلك بقصة نبيين من أنبياء بني إسرائيل عنيت داود وسليمان عليهما السلام فقال:(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) والله الذي لا إله إلا هو لقد أعطينا داود وإبنه سليمان علماً، ومنه علم كلام الطير، وقال داود وسليمان شاكرين الله عز وجل، الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين بالنبوة وبتسخير الجن والشياطين، هكذا اختصر قصة داود ليسترسل مع قصة سليمان فقال:(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ*وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ*حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُون) وورث سليمان أباه داود بالنبوة والعلم والملك، وقال متحدثاً بنعمة الله عليه وعلى أبيه، يا أيها الناس علمنا الله فهم أصوات الطيور، وأعطانا من كل شيء أعطاه الأنبياء والملوك قبلنا، إن هذا الذي أعطانا الله سبحانه لهو الفضل الواضح البيّن، ثم ذكر لنا موقفين وقفهما سليمان: أما الأول فكان فيه رحمة وإيمان وعودة إلى الله، وأما الثاني فكان فيه وعيد وتهديد، أشار إلى الأول بقوله وجمع لسليمان جنوده من البشر والجن والطير، فهم يساقون بنظام محكم وترتيب متقن، يهابهم من يراهم أكان من الإنس أم من غيرهم، حتى الحيوان والحشرات يخافون منهم، فلم يزالوا يساقون حتى إذا جاؤوا إلى وادي النمل وهو موضع بالشام، قالت نملة من النمل يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم حتى لا يهلككم سليمان وجنوده وهم لا يعلمون بكم، إذ لو علموا بكم لما داسوكم، سمع سليمان مقالتها وأعجب بفراستها (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) فلما سمع سليمان كلامها تبسّم ضاحكاً من قولها، وقال داعياً ربه رب وفقني وألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها على وعلى والديّ، ووفقني أن أعمل عملاً صالحاً ترتضيه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. أما الموقف الثاني الذي ظهر فيه سليمان رجلاً قوياً يهابه الطير فضلاً عن غيره فإليه الإشارة بقوله:(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ*لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) تعهد سليمان الطير فلم ير الهدهد، فقال مالي لا أرى الهدهد أمنعني من رؤيته مانع؟! أم كان من الغائبين؟ لعل موقعه كان يستر سليمان من الشمس فلما غاب عانى سليمان من أشعة الشمس، وربما أراد الله أن يؤدب سليمان فلا يصيبه الغرور ولا التعالي على خلق الله، إسمعه كيف يتوعد الهدهد، فقال لما تبين له غيابه لأعذبنه عذاباً شديداً جزاء غيابه دون إذن مسبق، أو لأذبحنه عقاباً له على غيابه، أو ليأتيني بحجة واضحة تبين عذره في الغياب، هكذا رأينا سليمان بعد أن كان قريباً من الله مشفقاً على خلقه يتوعد حيواناً أعجم يهدده بالعقوبة لأنه تغيب عن موقعه عند الملك، وأراد الله أن يعلّم سليمان درساً في الأخلاق فرب طير صغير في مملكة كبيرة يعلم علماً لا يعلمه الملك، تابع القصة (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ*إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ*وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ*أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ*اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) فمكث الهدهد غائباً عن مجلس سليمان زمناً قليلاً غير بعيد، فلما جاء قال لسليمان عليه السلام اطلعت على ما لم تطلع عليه، وجئتك من أهل سبأ بخبر صادق لاشك فيه، إني وجدت امرأة تحكمهم، وأعطيت هذه المرأة من كل شيء من أسباب القوة والملك ولها سرير عظيم تدير من عليه شؤون قومها، كأني به يقول لسليمان لا تفخر بما أوتيت من قوة وجاه وعز وأنت من أولياء الله، فإني وجدت في سبأ ملكة أعطيت من كل شيء ولها عرش عظيم، وجدت هذه المرأة ووجدت قومها يسجدون للشمس من دون الله سبحانه وتعالى، قوم كفروا بالله مع ما أنعم الله به عليهم من النعم الظاهرة، لكن الشيطان حسّن لهم ما هم عليه من أعمال الشرك والمعاصي فصرفهم عن طريق الحق فهم لا يهتدون إليه، ثم سأل الهدهد سؤالاً قال ألاّ يسجدوا لله، أما كان الأجدر والأليق بهم أن يسجدوا لله الذي يخرج الخبأ في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون، بدل أن يتبعوا الشيطان ويستحسنوا ما زين لهم من أعمال الشرك والمعاصي، يجب عليهم أن يسجدوا لله مخرج الخفايا والخبايا الذي يعلم السر والنجوى، يعلم ما تخفون من الأعمال وما تظهرون لا يخفى عليه شيء، إنه الله لا معبود بحق إلا هو رب العرش العظيم، هذه الكلمات طيبت خاطر سليمان وأيقظته من غفلته وردته إلى صوابه، فبعد أن توعد الهدهد بالعذاب أو بالذبح عاد إلى رشده وبحث عن بينة تثبت براءة الهدهد وصدقه فيما يدعيه، إنه النبي الذي عرف الله فأشفق على خلقه وحنا عليهم، قال سليمان عليه السلام للهدهد (قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ*اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) قال سليمان للهدهد سننظر أصدقت فيما تدعيه أم كنت من الكاذبين، وكتب سليمان إلى ملكة سبأ كتاباً وسلّمه للهدهد وقال له إذهب بكتابي هذا فارمه إلى أهل سبأ وسلمهم إياه وتنح عنهم جانباً بحيث تسمع ما يرددون بشأنه، لنترك ملكة سبأ قليلاً لنذكر ما في الآيات من فوائد:
  • 1- التبسم ضحك أهل الوقار.
  • 2- شكر النعم أدب الأنبياء والصالحين مع ربهم.
  • 3- الإعتذار عن أهل الصلاح بظهر الغيب.
  • 4- سياسة الرعية بإيقاع العقاب على من يستحقه وقبول عذر أصحاب الأعذار.
  • 5- قد يوجد من العلم عند الأصاغر ما لا يوجد عند الأكابر.
فلما وصل الكتاب إلى ملكة سبأ جمعت مجلس شورتها وقالت لهم:(قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ*إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) استلمت الملكة الكتاب وقالت يا أيها الأشراف إني ألقي إلي كتاب كريم جليل مضمون هذا الكتاب من سليمان مفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم، ألا تتكبروا علي وأتوني مسلمين منقادين مستسلمين لما أدعوكم إليه من توحيد الله وترك ما أنتم عليه من الشرك به، حيث عبدتم الشمس معه، هكذا أخبرتهم بنص الكتاب وافياً كافياً، ثم طلبت رأيهم، قالت يا أيها الأشراف والسادة بينوا لي وجه الصواب في أمري ما كنت قاضية أمراً حتى تحضروني وتظهروا رأيكم فيه، قال لهم الأشراف من قومها نحن أصحاب قوة عظيمة وأصحاب بأس شديد قوي في الحرب والرأي فيما ترينه فانظري ماذا تأمريننا به، فنحن قادرون على تنفيذه (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ*قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ). أجابها الأشراف إجابة عاطفية ربما تكون رد فعل، لكنها أرادتها إجابة عقلية مستندة إلى أدلة حسية ومقدمات ثابتة، لله درها من امرأة تنطق بالحكمة (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ*وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) قالت الملكة إن الملوك إذا دخلوا قرية من القرى أفسدوها بما يقومون به من القتل والسلب والنهب، وصيّروا سادتها وأشرافها أذلاء بعدما كانوا فيه من العزة والمنعة، وكذلك يفعل الملوك دائماً إذا تغلبوا على أهل قرية ليزرعوا الهيبة والرعب في النفوس فيهابهم العامة، فلا يقاومون ويستسلمون لهم بأيسر قتال، الحل أن لا نواجه الملوك بالقوة والسلاح ولكن بالحيلة والحكمة، من هنا اختارت أن ترسل إليه بهدية إلى صاحب الكتاب وقومه لتنظر ماذا يكون من أمره، أهو من الملوك ملوك الدنيا الذين يطلبون المزيد، أم هو من أولياء الله الذين يهمهم الدعوة إلى الله ونشر الفضيلة في المجتمع، فإن كانت الأولى طلب المزيد وإن كانت الثانية قاومها وأنكر فعلها، من فوائد الآيات:
  • 1- إنكار الهدهد على قوم سبأ ما هم عليه من الشرك والكفر دليل على أن الإيمان فطري عند الخلائق.
  • 2- التحقيق مع المتهم والتثبت من حججه.
  • 3- مشروعية الكشف عن أخبار الأعداء.
  • 4- من آداب الرسائل إفتتاحها بالبسملة واختصار عبارتها وإظهار عزة المؤمن أمام أهل الباطل.
وصلت الهدية إلى سليمان فغضب غضباً شديداً (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ*ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) فلما جاء رسولها ومن معه من أعوانه يحملون الهدية إلى سليمان، أنكر سليمان عليهم الهدية قائلاً أتمدونني بالأموال لتثنوني عنكم، فما أعطاني الله من النبوة والملك والمال خير مما أعطاكم، بل أنتم الذين يفرحون بما يهدى إليهم من حطام الدنيا، وقال سليمان لرسولها ارجع إليهم بما جئت من هدية فلنأتينها وقومها بجنود لا طاقة لهم بمواجهتهم، ولنخرجنهم من سبأ وهم أذلة مهانون بعدما كانوا فيه من العزة إن لم يأتوني منقادين، وأراد سليمان أن يري ملكة سبأ معجزة تجعلها تنقاد له وتخضع فلا تقاوم، أراد أن ينقل عرش بلقيس من اليمن إلى بلاد الشام، فجمع أعوانه ومستشاريه يسألهم سؤلاً غريباً عجيباً (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ*قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ*قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) قال سليمان عليه السلام مخاطباً أعيان مملكته، يا أيها الملأ أيكم يأتيني بسرير ملكها قبل أن يأتوني منقادين خاضعين أذلاء؟ يستسلمون لأمري ويخضعون لحكمي، ومعلوم أن في أهل المملكة الإنس والجن والطير، أجابه عفريت متمرد قوي من الجن قائلاً آن آتيك بسريرها قبل أن تقوم من مجلسك هذا الذي أنت فيه، وإني لقوي على حمله أمين على ما فيه فلن أنقص منه شيئاً، فرد سليمان على العفريت قائلاً أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك أي قبل أن ترمش عينك، فدعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، وإذا استفرج به فرّج، فلما رأى سليمان سريرها الذي تجلس عليه للحكم قال هذا من فضل ربي، سبحانه حقق لي ما أريد ليختبرني أأشكر نعمه أم أكفرها، ومن شكر الله فإنما نفع شكره عائد إليه، فالله غني لا يزيده شكر العباد، ومن جحد نعم الله فلم يشكرها فإن الله غني عن شكره كريم ومن كرمه إفضاله على من يجحدها، وإنما قلت ذلك لأن من قالوا عنه إنه أتى بالعرش أحد أتباع سليمان وليس له ذكر في القصة إلا في قوله:(قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ) وقول سليمان بعد (قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) ولو كان الذي جاء بالعرش آصف أو غيره من أتباع سليمان لكان في ذلك أن التابع أقدر من المتبوع، ولقال سليمان بارك الله فيك يا آصف وأحسن إليك، لأن من أسدى إلينا معروفاً يجب علينا مجازاته ولم يفعل ذلك سليمان لآصف، وأياً ما كان فإن أهل التفسير مختلفون في أمر قد كان ولاشك، أما كيف كان وعلى يد من وما الحكمة من ذلك فأمر متعلق بعالم الغيب ولا فائدة لنا في معرفته، فالقصة لن تتكرر. أراد سليمان أن يختبر ذكاء الملكة وقدرتها على معرفة الأمور، فجعل لها اختبارين: أما الأول فأمره جنده أن ينكروا لها عرشها ليتبين أتعرف عرشها أم لا، والأمر الثاني حين أدخلها الصرح على ما سيأتي (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ*فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ*وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ) قال سليمان عليه السلام غيروا لها سرير ملكها عن هيئته التي كان عليها ننظر هل تهتدي إلى معرفة أنه سريرها أم تكون من الذين لا يهتدون إلى معرفة أشيائهم، فلما جاءت ملكة سبأ إلى سليمان قيل لها اختباراً لها أهذا مثل عرشك؟ فأجابت طبق السؤال كأنه هو، فقال سليمان وأعطانا الله العلم من قبلها لقدرته على مثل هذه الأمور، وكنا منقادين لأمر الله مطيعين له، وصرفها عن توحيد الله ما كانت تعبد من دون الله، إتباعاً لقومها وتقليداً لهم، إنها كانت من قوم كافرين بالله فكانت مثلهم كافرة، هذا هو الدليل الأول والبرهان على صدق سليمان وجهل الملكة، أما الدليل الثاني فحين بنى لها صرحاً قاعةً كبيرة جعل أرضها من الزجاج وتحت الزجاج ماء جارٍ، وكان الزجاج نوعاً راقياً منه صافٍ لا أثر له، فظنت أنها تدخل مكان فيه ماء كمسبح أو جزء مقتطع من البحر، فانظر ماذا ستفعل (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قيل لها ادخلي الصرح وهو قاعة كبيرة لا يوجد عندي وصف كامل لها، أكانت مسقوفة أو غير مسقوفة، المهم الماء الذي على الأرض وفوقه الزجاج، فلما دخلت رأته فظنته ماءً وأنها ستخوض غمار بحر أو نهر، فكشفت عن ساقيها لتخوضه، رد عليها سليمان قال إنه صرح مملس من زجاج ودعاها إلى الإسلام، فأجابته إلى ما دعاها إليه قائلة رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك معك، وانقدت مع سليمان لله رب المخلوقات جميعها، من فوائد الآيات:
  • 1- عزة الإيمان تحصن المؤمن من التأثر بحطام الدنيا.
  • 2- الفرح بالماديات والركون إليها صفة من صفات الكفار.
  • 3- يقظة شعور المؤمن تجاه نعم الله.
  • 4- مشروعية اختبار ذكاء الخصم بغية التعامل معه بما يناسبه.
  • 5- إبراز التفوق على الخصم للتأثير فيه.

هكذا تمت قصة سبأ وسليمان عليه السلام، سقتها كما هي عبرةً لمعتبر ودليلاً على أن القرآن منزل من عند الله، عالم الغيب والشهادة، ومن يتفكر فيها ويسبر أغوارها يتبين له ما فيها من دقة وجمال وقوة بيان، فاللهم فقهنا في كتابك وعلمنا تأويله.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة