الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الإخبار بالغيب رأي عين  
سورة الروم   الآيات 1 - 29


سورة الروم مكية وآياتها ستون، من مقاصدها بيان الحقيقة الكونية في تصريف الأمور والأحوال والأحداث لله وحده، لله الأمر من قبل ومن بعد، استفتح البيان بثلاثة حروف من حروف المعجم إشارةً إلى أن القرآن المؤلف من هذه الحروف وحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإن لم يذكره في هذه السورة فإنه ذكر شيئاً من لوازمه وهو الإخبار بالغيب، وقد كان ما أخبر به كما أخبر به (الم*غُلِبَتِ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) لما كان الروم أهل كتاب وكان الفرس يعبدون النار مشركين بالله فكانوا أقرب إلى العرب من الروم، ناسب أن يفرح العرب المشركون بهزيمة الروم وانتصار الفرس، فأخبرهم الله أن الدنيا دول والنصر والهزيمة بيد الله ينصر من شاء متى شاء ويخذله متى شاء، وانتصار الفرس على الروم لا يلزم منه انتصار العرب على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الدنيا بيد الله يعطيها من يشاء، وكانت بلاد الروم بعيدة عن بلاد العرب فأخبر العرب أن الروم قد هزمت، لكن ليس هزيمة نهائية بل لابد أن ينتصروا في وقت قريب، وقوله في أدنى الأرض أي في أقرب أرض الشام إلى بلاد فارس، بعد غلبة فارس لهم سيغلبونهم لأن جملة (وهم من بعد) فارس لهم سيغلبونهم، وحدد المدة في (فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) والبضع من ثلاثٍ إلى تسع، وقد كان الأمر كما قال، فالزمن لا يقل عن ثلاث ولا يزيد على تسع، والذي يخبر له الأمر قبل انتصار الروم وبعده، ويوم يغلب الروم فارس يفرح المؤمنون (بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) يفرحون بنصر الله للروم لأنهم أهل كتاب، ينصرهم الله على المشركين، ظناً منهم أن الله سينصر المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم على قريش وجماعتها، مهما يكن من أمر فإن الله ينصر من يشاء على من يشاء وهو العزيز الغالب الذي لا يغالب الرحيم بعباده المؤمنين، من فوائد الآيات:

  • 1- لجوء المشركين إلى الله في الشدة ونسيانهم لأصنامهم، وإشراكهم في الرخاء دليل على تخبطهم.
  • 2- الجهاد في سبيل الله سبب للتوفيق إلى الحق.
  • 3- إخبار القرآن بالغيبيات دليل على أنه من عند الله.

(وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ*يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) هذا النصر كان وعداً من الله تعالى وبتحققه يزداد المؤمنون يقيناً بوعد الله بالنصر، وقد كان ما وعد الله به، فيوم انتصر الروم على الفرس انتصر المؤمنون على المشركين في وقعة بدر الكبرى، وكما فرح الروم بنصرهم على عدوهم فرح المسلمون بنصر الله لهم على المشركين، أما أكثر الناس فلا يفقهون هذه الحقيقة لكفرهم، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، لا يعلمون الإيمان وأحكام الشرع وإنما يكتفون من العلم بالمظاهر وما يتعلق بكسب المعاش وبناء الحضارة المادية، وهم عن الآخرة التي هي دار الحياة الحقيقية معرضون لا يلتفتون إليها ولا يقبلون عليها، همهم العاجل ما يكسبون (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) أأنكروا البعث ولم يتفكروا في أنفسهم كيف خلقها الله وخلق الكون وما فيه، حقيقةٌ غفلوا عنها ولم يلتفتوا إليها، ما خلق الله السموات والأرض إلا بالحق فلم يخلقهما عبثاً وجعل لهما أجلاً محدداً ينتهيان بعده، وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم يوم القيامة لكافرون، لذلك لا يستعدون للبعث بالعمل الصالح المرضي عند ربهم، ولو خرجوا من جزيرتهم إلى أرض الله الواسعة ودرسوا التاريخ لعلموا أشياء كثيرة هم غافلون عنها (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أكذب هؤلاء ولم يسيروا في الأرض ليتأملوا كيف كانت نهاية الأمم المكذبة من قبلهم، كانت هذه الأمم أشد منهم قوة وقلبوا الأرض للزراعة والتعمير، وعمروها أكثر ما عمرها هؤلاء، وجاءتهم رسلهم بالبراهين والحجج الواضحة على توحيد الله فكذبوا، فما ظلمهم الله حين أهلكهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بإيرادها موارد الهلاك بسبب كفرهم ومعاصيهم (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون) ثم كانت نهاية الذين ساءت أعمالهم بالشرك بالله وعمل السيئات النهاية البالغة لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا يستهزؤون بها ويستهزؤون بالرسل ويسخرون منهم، وهنا يقرر حقيقةً لا يستطيع أحد أن ينكرها من الله المبدأ وإليه العودة وبينهما الإنسان في حاجة إليه (اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الله يبدأ الخلق على غير مثال سابق ثم يفنيه ثم يعيده إليه وحده، ثم يعيده ثم إليه وحده ترجعون للحساب والجزاء يوم القيامة، فيثيب ويعاقب على وفق حال المثاب والمعاقب، يوم القيامة تظهر نتيجة الإختبار وتتضح الأمور، فالمجرمون ييأسون من رحمة الله وينقطع أملهم فيه لإنقطاع حجتهم على الكفر بالله (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ*وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ) في ذلك الموقف لم يكن لهم من شركائهم الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا من يشفع لإنقاذهم من العذاب، بل هم أنفسهم فقدوا الثقة بهم وتبين لهم فقرهم وضعفهم وعجزهم وخذلانهم حين كانوا في أشد الحاجة إليهم، لأنهم كلهم سواء في الهلاك، ثم قسم أهل الموقف إلى قسمين فقال:(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ*فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ*وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) يوم تقوم الساعة في ذلك اليوم يتفرق الناس في الجزاء بحسب أعمالهم في الدنيا، بين مرفوع إلى عليين وبين مخفوض إلى أسفل السافلين، فأما الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة المرضية عنده فهم في جنة يُسرّون بما ينالون فيها من النعيم الدائم الذي لا ينقطع أبدا، وأما الذين كفروا بالله وكذبوا بآياته المنزلة على رسوله وكذبوا بالبعث والحساب والجزاء فأولئك الذين أحضروا للعذاب فهم ملازمون له، من فوائد الآيات:
  • 1- العلم بما يصلح الدنيا والغفلة عما يصلح الآخرة لا ينفع.
  • 2- آيات الله في الأنفس وفي الآفاق كافية للدلالة على توحيده.
  • 3- الظلم سبب هلاك الأمم السابقة.
  • 4- يوم القيامة يرفع الله المؤمنين ويخفض الكافرين.

ولما كانت العبادة غذاء الأرواح وروح صلاح الإنسان، ناسب أن ينص عليها ويشيد بها ويرغّب فيها فقال:(فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ*وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ*يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) دعا المؤمنين أن يسبحوا الله حين يدخلون في وقت المساء، وهو وقت صلاتي المغرب والعشاء، وأمرهم أن يسبحوه حين يدخلون في وقت صلاة الفجر، وله وحده الحمد والثناء على الجميل الإختياري في السموات يحمده ملائكته وفي الأرض كذلك، ويسبحون له في وقت العشي وهي صلاة العصر، وحين تدخلون في وقت الظهيرة، فهذه الآية أشارت إلى أوقات الصلاة الخمسة فذكرت المساء وفيه صلاتي المغرب والعشاء، وذكرت الصباح وفيه صلاة الفجر، وذكرت العشي وهي صلاة العصر وحين تظهرون صلاة الظهر، هكذا دلت الآية على أن الصلوات خمسة، وإنما استحق الله التسبيح في هذه الأوقات لأنه يخرج الحي من الميت، إخراج الإنسان من النطفة والفرخ من البيضة، ويخرج الميت من الحي مثل إخراجه النطفة من الإنسان والبيضة من الدجاجة، ويحيي الأرض بعد جفافها بإنزال المطر وإخراج النبات، وكذلك تخرجون من قبوركم للحساب والجزاء، هذه نظرية لابد لها من دليل، وبدل أن يكون واحداً عدده القرآن وجعل كل دليل آية دالة على حسن تدبير الله، فبدأ بخلق الإنسان الأول فقال:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ) فمن آيات الله العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته أن خلقكم –أيها الناس- من تراب حين خلق أباكم آدم من طين، والطين تراب وماء، وقال مرةً (من صلصال كالفخار) وقال ثالثةً (من حمإٍ مسنون) وهي أطوار مر بها خلق آدم ويمر بها كل آدمي بطريق معكوس حين يموت فييبس ثم يلين ثم يتغير ثم يعود إلى الطين فالتراب، وطوى المرحلة بين خلق الإنسان ونشأة ذريته، وكأنها لحظات حين قال ثم أنتم بشر تتكاثرون بالتناسل وتنتشرون في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا دليل على القدرة العظيمة، دليل ثانٍ (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته أن خلق لأجلكم-أيها الرجال- من جنسكم أزواجاً لتطمئن أنفسكم إليهن بالتجانس بينكم، وصيّر بينكم وبينهن محبةً وشفقةً، إن في ذلك لبراهين ودلالات واضحات لقوم يتفكرون، لأنهم الذين يستفيدون من إعمال عقولهم فيما يرون ويسمعون، دليل ثالث (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) ومن آياته العظيمة أيضاً الدالة على قدرته ووحدانيته خلق السموات والأرض، ومنها اختلاف لغاتكم واختلاف ألوانكم، إن في المذكور لبراهين قاطعة ودلالات واضحة لأهل العلم والبصيرة يتوصلون بها إلى معرفة الله وصفاته وما يجب له وما يستحيل في حقه وما يجوز، دليل رابع (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته نومكم بالليل ومنامكم بالنهار لتستريحوا من عناء أعمالكم، ومن آياته أن جعل لكم النهار لتنتشروا فيه مبتغين الرزق من ربكم، إن في ذلك لبراهين ودلالات لقوم يسمعون سماع تدبر وسماع قبول، يثمر عملاً نافعاً ودافعاً، دليل خامس (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته أن يريكم البرق في السماء ويجمع لكم فيه بين الخوف من الصواعق والطمع في المطر، وينزل لكم من السماء ماء المطر فيحيي الأرض بعد جفافها بما ينبت فيها من نبات، إن في ذلك لبراهين واضحة وأدلة مقنعة لقوم يعقلون، فيستدلون بها على البعث بعد الموت للحساب والجزاء، من فوائد الآيات:
  • 1- حسن العاقبة ثمرة اشتغال العبد بالصلاة والتسبيح.
  • 2- الإستدلال على البعث بتجدد الحياة حيث يخلق الله الحي من الميت والميت من الحي.
  • 3- آيات الله في الأنفس والآفاق لا يستفيد منها إلا من يعمل وسائل إدراكه الحسيّة والمعنوية التي أنعم الله بها عليه.

دليل سادس (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ) ومن آيات الله الدالة على قدرته ووحدانيته قيام السماء دون سقوط، والأرض دون انهدام لأمر الله سبحانه، فهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وهكذا جعل السماء سقفاً محفوظاً، ثم إذا حان الوقت دعاكم دعوةً من الأرض حين ينفخ الملك في الصور إذا أنتم تخرجون من قبوركم للحساب والجزاء (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) وله وحده من في السموات وله من في الأرض ملكاً وخلقاً وتدبيراً وتقديراً، كل من في السموات وكل من في الأرض من مخلوقاته منقادون له مستسلمون لأمره طائعون أو مكرهون على حد سواء، وإذا كان الله هو المتصرف الوحيد في هذا الكون، يعطي ويمنع، يخفض ويرفع، بدأ الخلق (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وهو سبحانه الذي يبدأ الخلق على غير مثالٍ سابق، ثم يعيده بعد فنائه أو إفنائه، والإعادة أيسر من الإبتداء وكلاهما سهل عليه، لأنه إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، وله عز وجل الوصف الأعلى في كل ما يوصف به من صفات الجلال والكمال والجمال، وهو العزيز الذي لا يغالب، الحكيم في خلقه وتدبيره. ولما أراد المشركون أن يسووا بين الخالق والمخلوق أبطل لهم هذا بدليل حسي منتزع من البيئة لا يوافق عليه مخلوق مع مخلوق آخر، فكيف يسوون بين الخالق والمخلوق، ما أجمله من مثل (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ضرب الله لكم -أيها المشركون- مثلاً مأخوذاً من أنفسكم، هل لكم من عبيدكم ومماليككم شريك يشارككم في أموالكم بالسوية، تخافون أن يقتسموا أموالكم معكم كما يخاف بعضكم من شريكه الحر أن يقسم معه المال، هل ترضون لأنفسكم من عبيدكم هذا؟ لاشك أنكم لا ترضون بذلك فالله أولى بأن لا يكون له شريك في ملكه من مخلوقاته وعبيده، بمثل ذلك من ضرب الأمثال وغيره نبيّن الحجج والبراهين لتنويعها لقوم يعقلون، لأنهم هم الذين ينتفعون بذلك (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) إذا جئت تبحث عن سبب ضلالهم وبعدهم عن الحق رأيت أن سبب ضلالهم ليس قصوراً في الأدلة ولا عدم بيان لها، وإنما هو اتباع الهوى وتقليد آبائهم، فمن يوفق للهداية من أضله الله؟ لا أحد يوفقه وما لهم من ناصرين يدفعون عنهم عذاب الله. هكذا استطاع القرآن أن يقيم الدليل الحسي على دعوته وقد تحقق ما أخبر به بعد بضع سنين من خبره، فانتصر الروم على الفرس وانتصر المسلمون على المشركين وقامت دولة الإسلام رايتها خفاقة وحكمها مستقر والناس من حولها في أمن وأمان، فالله ثبتنا ووفقنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة