الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وعد الله حق  
سورة العنكبوت   الآيات 31 - 69


لما بيّن تعنت قوم لوط وتمسكهم بباطلهم وحرصهم على مخالفة رسول الله، ناسب أن يذكر ما حل بهم نتيجة ذلك، لكنه في هذه السورة ركّز على جانب إبراهيم عليه السلام فقال:(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) جاء الملائكة الذين بعثهم الله إلى إبراهيم ليبشروه بإسحاق ومن بعده يعقوب، لأنه كان يرجو الولد ويحرص عليه ويرغب فيه، فلما أخبروه بالولد وكان ما كان من إمرأته ومنه، ناسب أن يذكروا له خبر قوم لوط، إذ كان لوط قد أرسله الله إلى "سدوم" لأن أهلها كانوا ظالمين بما يقومون به من فعل الفاحشة، خاف على ابن أخيه أن يصيبه شيء فرد على الملائكة (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) قال إبراهيم عليه السلام للملائكة إن في هذه القرية التي تريدون إهلاك أهلها لوطا وليس من الظالمين، قال الملائكة نحن أعلم بمن فيها لننقذنه وأهله من الهلاك المنزل على أهل القرية، إلا إمرأته كانت من الباقين الهالكين، فسيهلكها الله معهم لأنها والتْهم وناصرتهم على زوجها وكانت تنقل إليهم أخباره وأخبار ضيفه، فاستحقت جزاءً كجزائهم لمناصرتها إياهم وموالاتها لهم، ثم يبين القرآن حالة لوط عليه السلام بحضرة الملائكة وكيف اجتهد في حمايتهم من بطش قومه إذ كان لا يعرف أنهم ملائكة، وخاف عليهم أن يكونوا بشراً يمارس معهم القوم الفاحشة، كانت معركة بين لوط وقومه، إنتصر عليه قومه في الظاهر فتحسّر أنه عاجز عن حماية ضيفه، عندها كان ما كان من الملائكة (وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ*إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ*وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ولما أتت الملائكة الذين بعثهم الله لإهلاك قوم لوط، ساءه وأحزنه مجيئهم خوفاً عليهم من خبث قومه، فقد جاءه الملائكة في هيئة رجال ذوي خلقة حسنة أو كاملي الخلقة ذوي جمال في شكل رجال، وقومه يأتون الرجال شهوة من دون النساء، قال له الملائكة لا تخف لأنهم رأوه حزيناً خائفاً فقالوا له لا تخف فلن يصل إليك قومك بسوء، ولا تحزن على ما أخبرناك من إهلاكهم، إنا منقذوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الباقين الهالكين، سنلحقها بهم لأنها والتْهم وناصرتهم عليك والمرء مع من أحب، وأخبروه بالعقوبة التي ستحل بقومه وهي عذاب ينزل عليهم من السماء جزاء فسقهم وخروجهم عن الجادة، قالوا إنا منزلون على أهل هذه القرية التي كانت تعمل الخبائث عذاباً من السماء: حجارةٌ من سجيل عقاباً لهم على خروجهم عن طاعة الله بما يرتكبون من الفاحشة القبيحة وهي إتيان الرجال شهوة من دون النساء، وقد كان ما أخبر الملائكة لوطاً نزل العذاب بقومه فقضى عليهم وعلى إمرأته وترك دليلاً حسياً يؤكد على هذه الحقيقة ويدل عليها، قرآناً يتلى وأثراً يُرى، ولقد تركها دليلاً واضحاً وبرهاناً ساطعاً لقوم يعقلون لأن بالعقل يعتبر الإنسان بالآيات الدالة على قدرة الله وسعة علمه. ولما ذكر قوم لوط ناسب أن يذكر قوماً على الطرف الآخر من المنطقة فذكر مدين وشعيب وقال:(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ*فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وأرسلنا إلى مدين أخاهم في النسب شعيباً عليه السلام فقال يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه الجزاء في اليوم الآخر ولا تفسدوا في الأرض بفعل المعاصي ونشرها، فكذبه قومه فأصابتهم الزلزلة فأصبحوا في دارهم ساقطين على وجوههم قد لصقت وجوههم بالتراب ولا حراك بهم، هكذا هلكوا ثم ذكر الجارين على طرفي جزيرة العرب عاد قوم هود وثمود قوم صالح، فأشار إليهم جملةً (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) وأهلكنا عاداً قوم هود وكانت مواطنهم شرق المملكة، وثمود قوم صالح وكانت على الطرف الآخر على طريق الشام، وقد ظهر لكم أيها العرب ويا أهل مكة من مساكنهم في الحجر من منطقة مدائن صالح وحضرموت ما يدلكم على إهلاكهم، فمساكنهم الخاوية شهادةٌ على ذلك وحسّن لهم الشيطان أعمالهم التي كانوا عليها من الكفر وغيره من المعاصي فصرفهم عن الطريق المستقيم وكانوا ذوي إبصار بالحق والضلال والرشد والغي، بما علمتهم رسلهم لكن اختاروا اتباع الهوى على اتباع الهدى، من فوائد الآيات:

  • 1- "قد تبيّن" دل على معرفة العرب بمساكنهم وأخبارهم.
  • 2- العلاقات البشرية لا تنفع إلا مع الإيمان.
  • 3- الحرص على أمن الضيوف وسلامتهم من الإعتداء عليهم.
  • 4- منازل المهلكين بالعذاب عبرة للناس.
  • 5- العلم بالحق لا ينفع مع اتباع الهوى وإيثاره على الهدى.
ومن اللذين أهلكهم الله قارون وفرعون وهامان، قال فيهم:(وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ) وأهلكنا قارون لما بغى على موسى بالخسف به وبداره، وأهلكنا فرعون ووزيره هامان بالغرق في البحر، ولقد جاءهم موسى بالآيات الواضحات الدالة على صدقه، فاستكبروا في أرض مصر عن الإيمان به، وما كانوا ليسلموا من عذاب الله (فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فأخذنا كلاً من المكذبين سابقاً بعذابنا المهلك، فمنهم قوم لوط الذين أرسل الله عليهم حجارةً من سجيل منضود، ومنهم قوم صالح وقوم شعيب الذين أخذتهم الصيحة، ومنهم قارون الذي خسف الله به وبداره الأرض، ومنهم قوم نوح وفرعون وهامان الذين أغرقهم الله، وما كان الله ليظلمهم بإهلاكهم بغير ذنب ولكن كانوا يظلمون أنفسهم بإرتكاب المعاصي فاستحقوا العذاب، وهنا يذكر الإنسان مثلاً عجيباً لا أدري أيشير به إلى قوة بيت العنكبوت أم ضعفه فيقول:(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ*إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) مثل المشركين الذين اتخذوا من دون الله أصناما يعبدونهم رجاء نفعهم أو شفاعتهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً يحميها من الإعتداء عليها، وإن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لأنه لا يدفع عنها عدواً، وأصنامهم لا تنفع ولا تضر ولا تشفع، لو كان المشركون يعلمون ذلك لما اتخذوا أصناما يعبدونها من دون الله، لأن الله يعلم ما يعبدونه من دونه شيئاً لأن علم الله أحاط بالكون، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهذا المعبود أعجز من أن يرد عنهم أو يشفع لهم، والله العزيز الذي لا يغلب الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره، ثم بين الحكمة من ضرب المثل في القرآن، فبين أنه يهدف إلى بيان الحقائق بشكل واضح، فإذا عقل الإنسان المثل عقل الممثل به، وأدرك الفائدة من ضربه والحكمة في ذلك (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ) يقول هنا وهذه الأمثال التي نضربها للناس لتوقظهم من غفلتهم وتبصرهم بالحق وتهديهم إليه ما يدركها على الوجه المطلوب إلا العالمون بشرع الله وحكمه (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ) خلق الله سبحانه وتعالى السموات وخلق الأرض بالحق، لم يخلقهما بالباطل ولم يخلقهما عبثاً، إن في ذلك الخلق لدلالة واضحة على قدرة الله ينتفع بها المؤمنون لأنهم هم الذين يستدلون بخلق الله على الخالق، أما الكافرون فإنهم يمرون على الآيات في الآفاق وفي الأنفس دون أن تلفت انتباههم إلى عظمة الخالق وقدرته سبحانه. وبعد هذه الجولة الطويلة التي بحث فيها الإبتلاء وفوائده العملية وأثره على الفرد والمجتمع، ناسب أن يلفت النظر إلى القرآن، إذ كان ذكر الحروف المقطعة أول السورة وجاء الوقت ليقول:(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) اقرأ أيها الرسول على الناس ما أوحى به الله إليك من القرآن، وأتِ بالصلاة على أكمل وجه، إن الصلاة المؤداة بصفتها الكاملة تنهى صاحبها عن الوقوع في المعاصي والمنكرات، لما تحدثه من نور في القلوب يمنع من اقتراف المعاصي، ويرشد إلى عمل الصالحات، ولذكر الله أكبر واعظم من كل شيء، والله يعلم ما تصنعونه، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم على أعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، من فوائد الآيات:
  • 1- أهمية ضرب المثل، مثل العنكبوت على وجه الخصوص.
  • 2- تعدد أنواع العذاب في الدنيا.
  • 3- تنزّه الله عن الظلم.
  • 4- التعلق بغير الله تعلق بأضعف الأسباب.
  • 5- أهمية الصلاة في تقويم سلوك المؤمن.

ولما بحث في الصلاة وبيّن أثرها على الفرد وفي المجتمع وكانت الصلاة عبادةً قاصرة، تصلح الفرد، تقوّم سلوكه، تصوّب مساره، ناسب أن يذكر عبادةً متعدية تصلح المجتمع، تضبط حركته فقال:(وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ*وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ) ولا تحاوروا أيها المؤمنون ولا تخاصموا اليهود والنصارى إلا بالأسلوب الأحسن والطريقة المثلى، أعني الدعوة بالموعظة والحجج البينة الواضحة، إلا الذين ظلموا منهم بالعناد والمكابرة، وأعلنوا الحرب عليكم فقاتلوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقولوا لليهود والنصارى آمنا بالذي أنزل إلينا من القرآن وآمنا بالذي أنزل إليكم من التوراة والإنجيل، وإلهنا وإلهكم واحد لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وكماله، ونحن له وحده منقادون متذللون، وكما أنزلنا الكتب على من قبلك، أنزلنا عليك القرآن فبعض هؤلاء الذين يقرؤون التوراة مثل عبد الله بن سلام يؤمنون به أي بالقرآن أو النبي، لما يجدونه من نعته في كتبهم، ومن هؤلاء المشركين من يؤمن به، وما يكفر بآيات الله إلا الكافرون الذين دأبهم الجحود والكفر والبعد عن الحق مع ظهوره ووضوح دليله، ثمّ بيّن وجه اعجاز القرآن ودليل أنه من عند الله بشيء بسيط يدركه العامة والخاصة فقال:(وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ*بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ) ما كنت أيها الرسول تقرأ قبل القرآن كتاباً أي كتاب، وما كنت تكتب شيئاً بيمينك لأنك أميٌ لا تكتب ولا تقرأ، ولو كنت تكتب أو تقرأ لشك الجهلة من الناس في نبوّتك، وتذرعوا بأنك كنت تكتب عن الكتب السابقة، ثم بيّن أن القرآن وحي متلو فقال بل القرآن منزل عليك آيات واضحات في صدور الذين أعطوا العلم من المؤمنين، وبيّن أنه لا يجحد بآيات الله إلا الظالمون لأنفسهم بالكفر ولله بالشرك به (وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) قال المشركون هلا أنزل على محمد آيات من ربه مثلما أنزل على الرسل من قبله، كناقة صالح وحية موسى وعصاه، قل أيها الرسول لهؤلاء المقترحين إنما الآيات بيد الله سبحانه ينزلها متى شاء وليس إلي إنزالها، إنما أنا نذير لكم من عقاب الله واضح النذارة بيّن الحجة، ثم رد عليهم اقتراحهم رأس على عقب فقال:(أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أولم يكف هؤلاء المقترحين للآيات أنا أنزلنا عليك أيها الرسول القرآن يقرأ عليهم، إن في القرآن المنزل عليهم لرحمةً وعظة لقوم يؤمنون لأنهم ينتفعون بما فيه، فما أنزل عليهم خير مما اقترحوه من نظير ما أنزل على الرسل سابقاً، لأن القرآن حين يحاور الناس يكشف عن المعاني شيئاً فشيئاً ويقيم الحجج تلو الحجج ويوضح الأمور أحسن ما يكون التوضيح، فهو خيرٌ من عصا تنقلب حيةً أو ناقة تخرج من صخر، ومع ذلك فإن الرسول يستشهد الله على صدقه فيقول:(قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) قل يا محمد أيها الرسول كفى بالله سبحانه شاهداً على صدقي فيما جئت به وعلى تكذيبكم به، يعلم ما في السموات ويعلم ما في الأرض، لا يخفى عليه شيء فيهما، والذين آمنوا بالباطل من كل ما يعبد من دون الله، وكفروا بالله المستحق للعبادة وحده، أولئك هم الخاسرون لاستبدالهم الكفر بالإيمان، والمعصية بالطاعة، من فوائد الآيات:
  • 1- مجادلة أهل الكتاب تكون بالتي هي أحسن.
  • 2- الإيمان بجميع الرسل والكتب دون تفريق شرط لصحة الإيمان.
  • 3- القرآن الكريم الآية الخالدة والحجة الدائمة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.
ولما ألح المشركون على رسول الله طالبين أن ينزل بهم العذاب، ناسب أن يبين لهم الحكمة في تأخير العذاب عنهم فقال:(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ*يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ*يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) يستعجلك أيها الرسول المشركون بالعذاب الذي أنذرتهم إياه، ولولا أن الله قدّر لعذابهم وقتاً محدداً لا يتقدم عنهم ولا يتأخر، لجاءهم ما طلبوا من العذاب، لكن الحكمة أن القول لا يتبدل عند الله ولا يتغير، ومهما يكن من أمر فبالله الذي لا إله إلا هو ليأتينهم العذاب فجأةً ودون مقدمات وهم في غفلة لا يتوقعون مجيئه، كأن المشركين لشدة غبائهم يطلبون العذاب مستبعدين وقوعه، ماذا لو وقع!! إنه الغباء بأجلى صوره وأوضح معانيه، على أن جهنم تنتظرهم إن فاتهم عذاب الدنيا فلن يفوتهم عذاب الآخرة، كلمات يخشع لها القلب وينخلع خوفاً من الله، يوم يغطيهم العذاب من فوقهم ويكون فراشاً لهم من تحت أرجلهم، ويقول لهم الله موبخاً ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون من الشرك والمعاصي، في ذلك اليوم والعذاب محيط بالعصاة الكافرين ينادي الله المؤمنين بأحب أسمائهم إليهم، يذكرهم بالله، يأمرهم بالثبات على الحق والدفاع عنه ونصرته بأنفسهم، فإن ذلك سبيل النجاة (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ*كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) يا عباد الله الذين آمنوا به هاجروا من أرض لا تتمكنون فيها من عبادته، إن أرض الله واسعة فاعبدوه وحده ولا تعبدوا غيره، ولا تشركوا به أحداً، ولا يمنعكم من الهجرة خوف الموت، فكل نفس ذائقة الموت في وقت حدده الله على صفة لا يعلمها إلا الله، وبعد الموت رجوع إلى الله يوم القيامة يوم الحساب والجزاء. وبعد الموت الحساب، وبعد الحساب الجزاء، فمن أطاع الله استراح، نص على جزائه ترغيباً بالعمل الصالح وحضاً عليه وتنفيراً عن المعصية فقال:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ*الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) والذين آمنوا بالله وتمموا أركان الإيمان وترجموا إيمانهم إلى الأعمال الصالحات التي تقربهم إلى الله وتبعدهم عن النار، أقسم الله لينزلنهم من الجنة غرفاً عظيمةً لا يقدر قدرها تجري من تحتها الأنهار ماكثين فيها أبدا، لا يلحقهم فيها عناء، نعم جزاء العاملين بطاعة الله هذا الجزاء، الذين صبروا عن المعصية وعلى الطاعة واعتمدوا على الله فلم يلتفتوا إلى غيره ولا التجؤا إلى غيره، نعم أجر العاملين بطاعة الله الذين صبروا على طاعته وعن معصيته، وعلى ربهم وحده يعتمدون في جميع أمورهم. ما أجمل القرآن حين يقيم الحجة الواضحة التي لا يستطيع أحد ردها مهما أوتي من علم وقدره، فكأنه يقول لهم لا يشغلكم طلب الرزق عن طاعة الله، فإن الرزق حق الربوبية والله رازقكم لا محالة ولكن أدوا ما كلفكم الله به، فهاهي الدواب تسير ولا تحمل رزقاً (وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) كل الدواب على كثرتها لا تستطيع جمع رزقها ولا حمله، الله يرزقها ويرزقكم فلا عذر لكم في ترك الهجرة خوفاً من الجوع، فالله هو السميع لأقوالكم العليم بنياتكم وأفعالكم، لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجازيكم عليه. ولما كانت مسألة الإعتماد على الله في الرزق وترك الخوض في الأسباب قد تقلق بعض الناس، ناسب أن يقيم لهم الأدلة الملزمة المقنعة فعمد إلى الحوار يستدرجهم ليعترفوا بما أراد أن يعترفوا به (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ*اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ولئن سألت أيها الرسول هؤلاء المشركين من خلق السموات، من خلق الأرض، من سخر الشمس والقمر وهما المتعاقبان، ليقولن خلقهم الله، فكيف ينصرفون عن الإيمان بالله وحده ويعبدون آلهةً لا تنفع ولا تضر، ثم بين لهم أن بيده مقاليد السموات والأرض، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، لا راد لحكمه ولا معقّب لأمره، فإذا أعطى فلا من يمنعه، وإذا منع فلا من يعطي، فالله هو الذي يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويضيقه على من يشاء لحكمة يعلمها، إن الله بكل شيء عليم لا يخفى عليه شيء، فلا يخفى عليه ما يصلح لعباده من تقتير أو توسعة، وهذا الدليل منتزع من الطبيعة البعيدة يعرفه كل أحد، فالأرزاق أحياناً تأتي كثيرة وأحياناً قليلة والمياه كذلك، من هنا ناسب أن يذكر الماء بعد الرزق فقال:(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) ولئن سألت أيها الرسول المشركين من نزّل من السماء ماءً فأنبت به الأرض بعد أن كانت قاحلة ليقولن أنزل الله المطر من السماء وأنبت الأرض، قل أيها الرسول الحمد لله الذي أظهر الحجة عليكم، والحاصل أن معظمهم لا يعقلون، إذ لو كانوا يعقلون لما أشركوا مع الله أصناماً لا تنفع ولا تضر، من فوائد الآيات:
  • 1- إستعجال الكافر بالعذاب دليل على حمقه.
  • 2- باب الهجرة مفتوح من أجل سلامة الدين.
  • 3- فضل الصبر والتوكل على الله واضح.
  • 4- الإقرار بالربوبية دون الإقرار بالألوهية لا يحقق لصاحبه النجاة والإيمان.
ثم إن القرآن وصف الحياة الدنيا وصفاً بليغاً، فبيّن مضمونها وما تؤول إليه، وقارن بينها وبين الآخرة فأقام الدليل على أنه ليس في الحياة الدنيا ما يغري، لأنها كما قال:(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وما هذه الحياة الدنيا –بما فيها من الشهوات والمتاع- إلا لهو لقلوب المتعلقين بها، ولعب ما يلبث أن ينتهي بسرعة، وإن الدار الآخرة لهي الحياة الحقيقية لبقائها لو كانوا يعلمون لما قدموا ما يفنى على ما يبقى، ولما سجّل القرآن على المشركين تناقضهم بإيمانهم بربوبية الله عندما يُسألون عمن خلق، وكفرهم بألوهيته عندما يعبدون غيره، سجّل عليهم تناقضاً آخر هو إخلاصهم التوحيد عند الخوف من الغرق وعودتهم إلى الشرك عند الأمن منه فقال:(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) وإذا ركب المشركون في السفن في البحر دعوا الله وحده مخلصين له الدعاء أن ينجيهم من الغرق، فلما نجاهم إنقلبوا مشركين يدعون معه آلهتهم (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) إنقلبوا مشركين ليكفروا بما أعطاهم الله من النعم، وليتمتعوا بما أعطوا من زهرة الحياة الدنيا فسوف يعلمون عاقبتهم السيئة عندما يموتون، ثم أنكر عليهم جحودهم بنعم الله فقال:(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) أكذبوا ولم يروا أن الله جعل لهم حرماً آمنا ويتخطف الناس يأكل بعضهم بعضاً من حولهم، أمّنهم الله على أنفسهم ودمائهم وأموالهم في الحرم فلا يعتدى عليهم، وخارج الحرم ترى الناس فوضى يأسرون ويقتلون وتسبى نساؤهم وذراريهم وتنهب أموالهم، أعميت بصيرتهم فلا يميزون!! بالباطل من آلهتهم المزعومة يؤمنون وبنعمة الله عليهم يكفرون فلا يشكرون الله ولا يعبدونه، ثم بين أشد الناس ظلماً فقال:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ) لا أحد أشد ظلماً من الذي اختلق على الله الكذب بأن نسب إليه شريكاً أو ولداً أو كذّب بالحق الذي جاء به محمد رسوله –يعني القرآن- لاشك أن في جهنم مسكناً للكافرين ولأمثالهم. ولما كان الصراع بين الحق والباطل مستمر وكان واجب المؤمن نصرة الحق ودمغ الباطل وإزالته والقضاء عليه، ناسب أن يختم السورة بهذه الآية (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) والذين جاهدوا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله وعدهم الله أن يوفقهم إلى كل خير، وعلى رأسه إصابة الطريق المستقيم الذي يوصلهم إلى الجنة ومرضاة الله، فالله جل جلاله مع الذين يعبدونه كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا كذلك فإن الله يراهم فيكون معهم بالعون والنصر والهداية، ومهما يكن فالإنسان بحاجة إلى الله في هذه الحياة، يصوّب مساره، يقوّم سلوكه، يسدد أعماله، فاللهم وفقنا وأمدنا بالعون والتأييد.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة