الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

فضل النور!! 
سورة النور   الآيات 35 - 53


لما بين فيما سبق أنه أنزل آيات مبينات ومبينَات ومثلاً يقتدى به من أخبار الذين خلو من قبلنا وموعظة للمتقين، ناسب أن يبين أثر الإيمان في قلب المؤمن وكيف ينعكس على سلوكه وتصرفاته وحياته وأين ينشأ ذلك، ووضح ذلك كله بوصف نقيضه فإن الأشياء تتميز بضدها فقال:(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لّا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الله هادي أهل السموات والأرض، خلق لهم فيهما ما يستطيعون أن يميزوا به بين الحق والباطل، بين الخير والشر، فأوجد النيرين ليكونا آلة للإبصار، فإن الإبصار يحصل للإنسان عندما تنعكس صورة المبصَر على شبكتي عينيه، فإذا دخل الإيمان قلب امرءٍ طبعه بطابع يتحرك من خلاله، يتكلم ويعمل مقتدياً أو مهتدياً به، قصة نوره العجيبة في قلب المؤمن ككوة في حائط غير نافذة، فيها مصباح، المصباح في زجاجة، لما كان نور المصباح يتحرك بتحرك الهواء كان لابد من حجزه عن الهواء بالزجاجة، وهي نوع من الزجاج رفيع القدر غالي الثمن متوهجٌ كأنها كوكب دري مضيء بنفسه قبل أن يضاء بالمصباح، كأن ضوأه الدر، وزاد المصباح زيتٌ صافٍ ناتج عن زيتون مبارك، فإن شجرة الزيتون كما وصفها في السورة السابقة تنبت بالدهن، فشجرة الزيتون معرضة للشمس لا يحول بينها وبين الشمس حاجز، تأتيها الشمس في الصباح وفي المساء، فزيتها نضج نظيف لا دخان فيه ولا كدر، يكاد زيتها لصفائه يضيء ولو لم تمسسه نار، فكيف إذا مسته نور المصباح على نور الزجاجة!! وهكذا قلب المؤمن إذا أشرق فيه نور الهداية والله يوفق لاتباع القرآن من يشاء من عباده ويبين الله الأشياء بأشباهها، فالمؤمن نظيف العقل معتدل المزاج صافي النفس، دخلت في قلبه العقيدة السليمة فأنارت عقله وضبطت حركة حياته، عقله سليم وخياله سليم، واهتدى بالشرع الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط، فجاء المثل يبين الحقيقة، والله بكل شيء عليم لا يخفى عليه شيء، فإن جئت تسأل أين يتلقى هذا العلم ومن يتولاه وبما يتأثر، المعلم والمتعلم يأتيك الجواب (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) يوقد هذا المصباح في مساجد أمر الله أن يعلو قدرها وبناؤها وتطهر من الأدناس والأقذار، ليذكر فيها اسمه بالأذان والذكر والصلاة، يصلى فيها ابتغاء مرضاة الله أول النهار وأوسطه وآخره، من فوائد الآيات:

  • 1- الله عز وجل ضيق أسباب الرق بالحرب، ووسع أسباب العتق وحض عليه، فكفارة اليمين عتق رقبة، وكفارة القتل عتق رقبة، وكفارة الظهار كذلك، والعتق قربة تطهر المعتق من ذنوبه وتضمن له أن يعتقه الله في الآخرة.
  • 2- التخلص من الرق عن طريق المكاتبة وإعانة الرقيق بالمال حتى لا يشكل الرقيق طبقة مسترذلة تمتهن الفاحشة.
  • 3- قلب المؤمن نيّر بنور الفطرة ونور الهداية الربانية.
  • 4- المساجد بيوت الله في الأرض أنشأها ليعبد فيها، فيجب إبعادها عن الأقذار الحسية والمعنوية.
  • 5- من أسماء الله الحسنى (النور) وهو يتضمن صفة النور سبحانه، فهو الهادي الميسر لعبيده أسباب الهداية، يشرح صدرهم وينور بصيرتهم.

ولما ذكر المساجد ذكر من يكون فيها فقال:(رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ*لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) رجال قد اشتغلوا بطاعة الله عن معصيته وبمصلحة العامة عن المصلحة الخاصة، لا تلهيهم حركة البيع والشراء وأعمالهم المادية عن ذكر الله سبحانه، والإتيان بالصلاة على أكمل وجه، وإعطاء الزكاة لمصارفها، فإنهم جمعوا بين الخوف والرجاء، يخافون يوم القيامة ذلك اليوم الذي تتقلب فيه القلوب بين الطمع في النجاة من العذاب والخوف منه، وتتقلب فيه الأبصار إلى أي ناحية تصير، ولأنهم راقبوا الله ولم يغفلوا عنه وتعلقت قلوبهم به، وعدهم أن يجزيهم أحسن ما عملوا من الأعمال الصالحة ويزيدهم من فضله جزاءً عليها، والله يرزق من يشاء بغير حساب على قدر أعمالهم بل يعطيهم أضعاف ما عملوا، وعلى الطرف الآخر ضرب القرآن مثلين بأعمال الذين كفروا، فإن تشبيه المعقول بالمحسوس يدنيه إلى أفهام الناس ويقربه من عقولهم، أما المثل الأول فإليه الإشارة بقوله:(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) أعمال الذين كفروا بالله التي عملوها في الدنيا لا ثواب لها لأن الله لا يقبل العمل إلا إذا كان مبنياً على الإيمان، فإذا لم يوجد الإيمان فلا عمل ولا ثواب، وإن توهم أنه يحصل على ثواب، وههنا قال أعمالهم كسراب والسراب ما يراه السائر في البرية في المنخفضات، يخيّل إليه أن على البعد ماءً، بين هنا عدم فائدة العمل بأمور: الأول سراب والسراب من نسج الخيال والتوهم لا حقيقة له في الواقع، ثم وصفه بقيعة والقيعة والقاع المنخفض، ثم بيّن أن التخيّل مبني على الظن بقوله يحسبه، منخفض من الأرض يراه العطشان المحتاج إلى الماء المشتاق إليه فيظنه ماءً يسير إليه، فإذا جاءه ووقف عليه لم يجد ماء، وكذا الكافر يظن أن أعماله تنفعه حتى إذا مات وبعث لم يجد شيئاً ووجد ربه أمامه فوفاه حساب عمله كاملاً والله سريع الحساب، قال تعالى:(مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ) فمرة شبههه بالسراب ومرة بالرماد الذي عصفت به الريح، والنتيجة واحدة لأنه لا يعلق بيد العامل من عمله شيء، أما المثال الثاني فإليه الإشارة بقوله:(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) أو تكون أعماله مثل ظلمات في بحر عميق يعلوه موج من فوق ذلك الموج موج آخر ومن فوقه سحاب، يستر ما يهتدى به من النجوم، ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، ظلمة الجهل وظلمة الكفر وظلمة الهوى وظلمة المصالح والأنانية وغير ذلك، لكثرة الظلام إذا أخرج يده لم يكد يراها من شدة الظلمة، مع أنها جزء منه وأقرب ما يكون إليه، هكذا الكافر تراكمت عليه ظلمات الجهل والشك والحيرة والطبع على قلبه، ففقد العون الإلهي لعدم طلبه ولم ير فيه أقرب الأشياء إليه، ومن لم يرزقه الله هدى يزيل الضلال وعلماً بكتابه وفهماً له فما له من هدى يهتدي به ولا كتاب يستنير به، وهكذا نرى كيف بين الفرق بين المؤمن والكافر، فالمؤمن عقله نظيف وخياله نظيف وعقله يستنير بالوحي ويهتدي به وينتفع بما يقرأ ويقرأ عليه، والكافر على العكس، فإذا قال بالأول (نُّورٌ عَلَى نُورٍ)، قال في الثاني (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ). ولما ذكر المثل الذي يوضح به حقيقة الإنسان صالحاً أو غيره، ناسب أن يذكر أن المخلوقات جميعاً خاضعةٌ لله، بل الكون كله فقرر ذلك على طريقة الإستفهام والنفي، واستخدم كلمة ترى بمعنى تعلم ليدل على أن هذا العلم يقيني ثابت بالأدلة القطعية (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) ألم تعلم أيها الرسول أن الله يسبح له من في السموات من المخلوقات ملائكة أو غيرهم، ويسبح له من في الأرض، وتسبح له الطيور قد صفت أجنحتها في الهواء كل تلك المخلوقات، علم الله صلاة من يصلي منهم كالإنسان وتسبيح من يسبح منها كالطير، والله عليم بما يفعلون لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، وإذا كان كل اولئك يسبحون لله فإنهم مملوكون له خاضعون لأمره، هو أوجدهم من العدم ورباهم بالنعم (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) والله وحده ملك السموات والأرض وإليه وحده الرجوع يوم القيامة للحساب والجزاء، وهذه دعوى والدعوى لا بد لها من دليل، يأتيك الدليل على نفس الطريق آيات كونية (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) ألم تعلم أيها الرسول ومن بعده لكل قارئ لكتاب الله، وهذا العلم يقيني لأنه مدرك بأحد الحواس: البصر، يسوق سحاباً ثم يضم أجزاء بعضه إلى بعض، ثم يجعله متراكماً يركب بعضه بعضاً فترى المطر يخرج من داخل السحاب وينزل من جهة السماء من السحاب المتكاثف فيها، التي تشبه الجبال في عظمتها وضخامتها، قطعاً متجمدة من الماء كالحصى أو ما يسمونه بالبرد، فيصيب بذلك من يشاء من عباده ويصرفه عمن يشاء منهم، يكاد ضوء برق السحاب من شدة لمعانه يذهب بالأبصار، من الذي أحدث كل هذا؟ من فوائد الآيات:
  • 1- موازنة المؤمن بين المشاغل الدنيوية والأعمال الأخروية أمر لازم.
  • 2- بطلان عمل الكافر لفقد شرط الإيمان.
  • 3- إن الكافر خالف مخلوقات الله المسبحة المطيعة.
  • 4- جميع مراحل المطر من خلق الله وتقديره.

دليل ثاني على القدرة الإلهية وطلاقة تصرفها (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الأَبْصَارِ) يعاقب الله بين الليل والنهار طولاً وقصراً، مجيئاً وذهاباً، فإذا طال الليل قصر النهار وإذا طال النهار قصر الليل، والليل والنهار يتعاقبان فإذا ذهب أحدهما حل الثاني محله، إن في ذلك دلائل على قدرة الله وعظةً لأصحاب البصائر ينتفعون بذلك فيدركون عظمته جل جلاله، دليل ثالث (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) والله خلق كل ما يدب على وجه الأرض من الحيوان من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه زحفاً كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين كالإنسان والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالأنعام أعني الأزواج الثمانية، يخلق الله ما يشاء مما ذكر ومما لم يذكر، إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء. وهنا آن الأوان ليلفت النظر إلى ما احتواه القرآن من الحكم والأحكام في دعوةٍ إلى تدبره وتطبيق ما جاء به (لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) لقد أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم آيات تتلى واضحات المعاني، بينات العبارة، سهلة الأسلوب، والله يوفق من يشاء إلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه فيوصله الطريق إلى الجنة، فإن جئت تسأل من المنتفع بهذا يأتيك الجواب من آمن أن القرآن حق ومحمد حق وتدبر الكتاب وبحث عن معانيه، أما المنافق فينقاد ظاهراً سريعاً ما يلبث أن يتولى ويترك متابعة الرسول (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ويقول المنافقون آمنا بالله وآمنا بالرسول وأطعنا الله ورسوله، ثم تتولى وتعرض عن قبول الحق طائفة منهم فلا يطيعون الأمر أكان في الجهاد أو في غيره من الأحكام، بعدما زعموه من الإيمان بالله ورسوله والطاعة، فالإيمان بلا طاعة كذب، لذلك حكم عليهم على سبيل الحصر بأنهم ليسوا مؤمنين وإن ادعوا أنهم مؤمنون، فإن أردت الدليل الحسي على ذلك وجدته في الآية التي بعدها (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ) إذا فريق منهم معرضون وإذا دعي هؤلاء المنافقون إلى الله وإلى رسول الله ليحكم بينهم فيما يختصمون فيه، إذا هم معرضون عن حكمه لنفاقهم، خاصةً إذا كان في الحكم رد لباطلهم ودحض لشبههم، فإن كان لهم مصلحة في الحكم أتوا إلى رسول الله خاضعين أذلاء لأنهم يتحركون من منطلق مادي (وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) وإن علم هؤلاء أن الحق لهم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيحكم لصالحهم، يأتوا إليه منقادين خاضعين، ما أجمل القرآن حين يكشف المنافقين، يسلط الضوء على أقوالهم وأفعالهم، يكشف زيفهم ويرد باطلهم، سؤال طرحه القرآن وأجاب عنه جواباً معللا (أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أفي قلوب هؤلاء مرض لازم لهم لا ينفك عنهم ولا يفارقونه، أم شكوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يحكم بالعدل ويعطي الحقوق لأصحابها، أم يخافون أن يجور الله عليهم ورسوله في الحكم، كل ذلك لا يكون بل لعله علة في أنفسهم بسبب إعراضهم عن الحق وعنادهم، وإلا فالمؤمن يسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسمع حكمه ويرضاه ويقبله ويسارع إلى تنفيذه (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ولما ذكر موقف المنافقين الرافضين لحكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ذكر موقف المؤمنين الراضين به على سبيل الحصر بحيث لا يدخل أحد منهم فيما دخل فيه المنافقون فقال إنما قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله وإلى رسوله ليحكم بينهم، أن يقولوا سمعنا قوله وأطعنا أمره وأولئك المتصفون بتلك الصفات هم الفائزون في الدنيا بموالاتهم رسول الله وطاعته والفائزون في الأخرى لنفس السبب، ثم ختم الآيات بقضية كلية فقال:(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) من يطع الله ويطع رسوله ويستسلم لحكم الله وحكم رسوله ويخف ما تجر عليه المعاصي، ويتق عذاب الله بإمتثال أمره وإجتناب نهيه، فأولئك وحدهم هم الفائزون بخيري الدنيا والآخرة، وقبل أن يختم الآيات عرج على المنافقين يفضح كذبهم ومخادعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووقوفهم في جانب غير جانبه فقال:(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) حلف هؤلاء المنافقون أقصى الإيمان المغلظة التي يستطيعون الحلف بها، لإن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ليخرجن، قل لهم أيها الرسول لا تحلفوا فكذبكم معروف وطاعتكم المزعومة معروفة، والله خبير بما تعملون لا يخفى عليه شيء من أعمالكم مهما أخفيتموها، من فوائد الآيات:
  • 1- تنوع المخلوقات دليل على قدرة الله.
  • 2- من صفات المنافقين الإعراض عن حكم الله إلا إذا كان الحكم في صالحهم، ومن صفاتهم مرض القلب والشك وسوء الظن بالله.
  • 3- طاعة الله ورسوله والخوف من الله من أسباب الفوز في الدارين.
  • 4- الحلف على الكذب سلوك معروف عند المنافقين.

وبعد، فاللهم نوّر أبصارنا وبصائرنا وعاملنا بعفوك فلا نذل ولا نخزى، أنت ولينا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة