الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة!  
سورة المؤمنون   الآيات 53 - 118


الأصل في المؤمن أن يجمع بين الخوف والرجاء، وأن يكون بينهما توازن، فإذا طغى الخوف سيطر على النفس اليأس، وإذا طغى الرجاء سيطر على الإنسان الكسل والوهن، فالمؤمن دائماً متقلب بينهما، فهل كان أتباع الأنبياء كذلك؟ وصف الله أتباع الرسل أنهم مختلفون متفرقون شيعاً وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون فقال:(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) فتفرق أتباع الرسالات من بعد رسلهم في الدين فصاروا شيعاً وأحزاباً بعد أن كانوا ملة واحدة، وانقسموا على أنفسهم كل حزب معجب بما يؤمن به معتقد أنه هو الدين المرضي عند الله لا يلتفت إلى غيره، لذلك رتّب عليه بالفاء الفصيحة فقال:(فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) إذا كان كذلك فاتركهم أيها الرسول فيما هم فيه من الجهل والحيرة إلى حين نزول العذاب بهم، يتلهون بالباطل، يشتغلون فيما لا فائدة فيه ولا ثمرة له، ثم طرح عليهم سؤالاً (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ*نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لّا يَشْعُرُونَ) أيظن هؤلاء الأحزاب الفرحون بما لديهم من أموال وجاهٍ وسلطة أنما نعطيهم من الأموال والأولاد في هذه الحياة الدنيا هو تعجيل خير لهم يستحقونه؟ ليس الأمر مسارعة في الخيرات كما ظنه هؤلاء، إنما نعطيهم ذلك إملاءً واستدراجاً لهم، لكنهم لا يحسون بذلك لغلبة الهوى فيهم وسيطرة الشهوة عليهم، فهم بحاجة إلى ما ينبههم، يوقظهم من غفلتهم، يعيدهم إلى صوابهم، يأتي الجواب (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ*وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ*وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ*وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) الميزان الذي يضبط حركة الحياة إنما يكون عندما يخاف الإنسان ربه، لذلك صدّر الآيات (إِنَّ الَّذِينَ هُم) مع إيمانهم وإحسانهم وجلون من ربهم مشفقون خائفون، وهي أول صفة من صفات الطائعين، وقديماً قال:(إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) (وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) والمراد بها آيات الكتاب، ومنه (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) والذين يوحّدون ربهم لا يشركون به شيئاً، وإليه الإشارة بقوله:(وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ) يوحّدون ربهم، يخصونه بالطاعة والعبادة والإخلاص، والذين يجتهدون في أعمال البر ويتقربون إلى الله بالأعمال الصالحة وهم خائفون أن لا يتقبل الله منهم إنفاقهم وأعمالهم الصالحة إذا رجعوا إليه يوم القيامة، سألت السيدة عائشة رضي الله عنها أيعملون السيئات؟ قال لا بل يعملون الحسنات وهم خائفون أن لا تقبل منهم، ولما وصف أولئك بالصفات اللائقة بهم، ناسب أن يشير إليهم باسم الإشارة للبعيد، لعلو رتبتهم ورفعة مكانتهم، فهؤلاء الموصوفون بهذه الصفات العظيمة يبادرون إلى الأعمال الصالحة وهم إليها سابقون ومن أجلها سبقوا غيرهم وسابقوه، ولا يكلف الله نفساً إلا قدر ما تستطيعه من العمل، فما دام كلفها فهي مستطيعة، وعند الله كتاب أثبت فيه عمل كل عامل ينطق بالحق الذي لا مرية فيه وهم لا يظلمون، لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد في سيئاتهم، بل قلوب أولئك الكفار في غفلة عن هذا الكتاب الذي ينطق بالحق والكتاب الذي نزل عليهم أعني القرآن، ولهم أعمال أخرى دون ما هم عليه من الكفر هم لها عاملون (أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ*وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ*بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) حتى إذا عاقبنا منعّميهم في الدنيا بالعذاب يوم القيامة إذا هم يرفعون أصواتهم مستغيثين بالله طالبين عفوه ومغفرته، فيقال لهم تيئيساً لهم من رحمة الله لا تصرخوا ولا تستغيثوا في هذا اليوم، فإنه لا ناصر لكم يمنعكم من عذاب الله (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ*لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لا تُنصَرُونَ). ولما كان لكل شيء سبباً يدل عليه، ولكل سبب حكم يبنى عليه، ناسب أن يدل على ما حكم فقال:(قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ*مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ) قد كانت آيات كتاب الله تقرأ عليكم في الدنيا فكنتم ترجعون على أعقابكم مولين عنها إذا سمعتموها، كارهين لها معرضين عن قبولها، مستكبرين على الناس بما تزعمونه من أنكم أهل الحرم ولستم أهله، لأن أهله هم المتقون وأنتم تتسامرون حوله بالسيء من القول فأنتم لا تقدسونه، ثم سألهم سؤالاً جمع فيه بين المعطوف والمعطوف عليه، وحذف المعطوف عليه لتذهب به النفس كل مذهب (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ*أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) أكذب أولئك الوحي المتلو فلم يتدبروا ما أنزل الله من القرآن ليؤمنوا به ويعملوا بما فيه، أم جاءهم ما لم يأت أسلافهم من قبلهم، فأعرضوا عنهم وكذبوا به، أم إنهم لم يعرفوا محمداً صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله إليهم فهم منكرون له، لقد عرفوه وعرفوا صدقه وأمانته، لكنها المصالح والأهواء تتحكم في الإنسان فتخرجه عن الهدف وتمنعه من الإيمان (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) بل أيقولون هو مجنون، لقد كذبوا بل هو أعقل الناس وأفهم الناس، جاءهم بالحق الذي لا مرية فيه أنه من عند الله ومعظمهم كارهون للحق مبغضون له، حسداً من عند أنفسهم وتعصباً لباطلهم، ولو أجرى الله الأمور ودبرها على وفق ما تهواه أنفسهم لفسدت السموات والأرض وفسد من فيهن لجهلهم بعواقب الأمور وبالصحيح والفاسد من التدبير (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ*أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) هل طلبت أيها الرسول أجراً من أهل مكة على ما جئتهم به، وذلك جعلهم يرفضون الدعوة!! هذا لم يحدث منك فثواب ربك وأجره خير من ثواب هؤلاء وغيرهم وهو سبحانه وتعالى خير الرازقين، والحال أنك أيها الرسول لتدعوهم إلى صراط مستقيم (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) لا اعوجاج فيه وهو طريق الإسلام (وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ)والذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وعقاب وثواب عن طريق الإسلام لمائلون إلى غيرها من الطرق المعوجة الموصلة إلى النار، وفي الآيات فوائد:

  • 1- الإستكبار مانع من التوفيق للحق.
  • 2- إطابة المأكل له أثر في صلاح القلب وصلاح العمل.
  • 3- التوحيد ملة جميع الأنبياء.
  • 4- الإنعام على الفاجر ليس إكراماً له إنما هو استدراج.
  • 5- المؤمن يخاف من عدم قبول عمله الصالح.
  • 6- التكليف بقدر الطاقة البشرية (لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها).
  • 7- الترف مانع من الإستقامة وسبب في الهلاك.
  • 8- قصور عقل البشر عن إدراك كثير من المصالح.

ولو رحمهم الله ورفع عنهم ما نزل بهم من عذاب كالقحط والجوع لتمادوا في ضلالهم وابتعادهم عن الحق، يترددون في قبوله ويتخبطون في تصرفاتهم، مصداق ذلك (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) ولقد اختبرهم الله بأنواع من المصائب فما تذللوا لربهم ولا خضعوا له، وما دعوه خاشعين ليرفع عنهم المصائب عند نزولها (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) حتى إذا فتح الله عليهم باباً من العذاب الشديد إذا هم فيه آيسون من كل فرج وخير (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) تحيروا ماذا يصنعون، كيف ينقذون أنفسهم أم كيف يخففون من ألم ما أصابهم، وهنا آن الأوان ليذكرهم ببعض الأدلة فقال:(وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ) ولما كان إنكار البعث لا يقع ممن ينتفع بسمعه وبصره وعقله، ذكرهم الله بما أنعم به منها فقال الله هو الذي خلق لكم أيها المكذبون بالبعث السمع لتسمعوا به، والبصر لتبصروا به، والقلوب لتفقهوا بها، ومع ذلك لا تشكرونه على هذه النعم إلا قليلاً، ما أشد غباء الإنسان وما أقل حياءه، ينعم عليه فلا ينتفع بالنعمة، ولا يقبل على الله بل يعرض ويتكبر ، الدليل الثاني (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الله الذي خلقكم أيها الناس في الأرض وإليه وحده تحشرون يوم القيامة للحساب والجزاء ثواباً كان أم عقاباً، فاعملوا لذلك اليوم عملاً ينفعكم أو يدفع عنكم أو ينفع غيركم أو يدفع عنهم، الدليل الثالث (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) وحده الذي يحيي فلا محيي غيره، وهو الذي يميت فلا مميت سواه، وإليه وحده تقدير اختلاف الليل والنهار، ظلمةً وإنارةً وطولاً وقصراً، أتعلمون ذلك فلا تعقلون قدرته وتفرده بالخلق والتدبير، لم يؤمنوا ولا راجعوا أنفسهم بل أصروا على باطلهم وتمسكوا به (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ*قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) قالوا مثلما قال آباؤهم وأسلافهم في الكفر، كلمة قديمة يرددها الأبناء عن الآباء، والآخرون عن الأولين، قالوا على وجه الإستبعاد والإنكار، أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً بالية أئنا لمبعوثون أحياء للحساب؟! (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) لقد وعدنا هذا الوعد أعني البعث بعد الموت، ووعده أسلافنا من قبل، ولم نر ذلك الوعد تحقق، ما هذا إلا أباطيل الأقدمين وأكاذيبهم، وهنا لابد من حوار بين القرآن وبين المخاطبين، يقيم عليهم الحجة ويوضح لهم الأمر ويسوقهم إلى الهدف الذي يرمي إليه من أقرب طريق، بدأ الحوار بقوله:(قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) أيها الرسول قل لهؤلاء الكفار المنكرين للبعث لمن هذه الأرض ومن عليها إن كنتم تعلمون (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) سيقولون الأرض ومن عليها لله، فقل لهم ألا تتذكرون أن من له الأرض ومن عليها قادر على إحيائكم بعد موتكم، إذا كانت الأرض ومن عليها مملوكون لله، أيعجز أن يعيدكم، يلزمهم أن يسلموا لكنّ القرآن يفسح في المجال فيسألهم سؤالاً ثانياً: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) قل لهم من رب السموات السبع، من رب العرش العظيم الذي لا يوجد مخلوق أعظم منه (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) سيقولون السموات السبع والعرش العظيم ملك لله، فقل لهم أفلا تتقون الله بإمتثال أوامره واجتناب نواهيه لتسلموا من عذابه!!، السؤال الثالث:(قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) قل لهم من الذي بيده ملكوت كل شيء، لا يشذ عن ملكه شيء، وهو يغيث من شاء من عباده، ولا أحد يمتنع ممن أراده بسوء، فيدفع عنه العذاب إن كان لكم علمٌ (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) سيقولون ملك كل شيء بيده، فقل لهم فكيف تذهب عقولهم وتعبدون غيره مع إقراركم بذلك، ومن فوائد الآيات:
  • 1- عدم اعتبار الكفار بالنعم أو النقم التي تقع عليهم دليل على فساد فطرهم.
  • 2- كفران النعم صفة من صفات الكفار.
  • 3- التمسك بالتقليد الأعمى يمنع من الوصول إلى الحق.
  • 4- الإقرار بالربوبية ما لم يصحبه إقرار بالألوهية لا ينجي صاحبه.

ولما سأل أسئلة بنى على الشيء مقتضاه فقال:(بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) ليس الأمر كما يدّعون، بل جئناهم بالحق الذي لا مرية فيه وإنهم لكاذبون فيما يدعون لله من الشريك والولد تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا، (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ*عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ما اتخذ الله من ولد كما يزعم الكفار ناسبين المسيح أو العزير أو الملائكة أو غيرهم إلى الله، وما كان ولا صح ولا استقام أن يكون معه معبود بحق، ولو فرض أنه معبود بحق كان لزاماً أن يكون خالقاً، وما استطاع إلاهان أن يتعايشا، بل لابد أن يتقاتلا ويأخذ كل معبود بحق بنصيبه من الخلق الذي خلقه، ولغالب بعضهم بعضا وبذلك يفسد نظام الكون، والواقع أن شيئاً من ذلك لم يحدث، فدل على أن المعبود بحق واحد هو الله وحده، تنزّه وتقدّس عما يصفه به المشركون مما لا يليق به من الولد والشريك، فهو عالم الغيب والشهادة، والغيب كل ما غاب عن خلقه وعالم كل ما يشاهد ويدرك بالحس أو بالحواس، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فتعالى أن يكون له شريك، وهنا حان وقت الدعاء والإلتجاء إذ ثبت أن المتصرف في الكون واحد لا شريك له، له الملك وبيده الأمر، لذلك علمه أن يدعو الله فيقول:(قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ*رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) قل يا أيها الرسول، رب إما تريني في هؤلاء المشركين ما أوعدتهم به من العذاب، رب فلا تجعلني في القوم الظالمين، رب إن عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك فلا تجعلني فيهم فيصيبني ما أصابهم من العذاب، وأتألم بما يصيبهم، يأتي الجواب:(وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ) وإنا على أن نجعلك تشاهد وترى بعينيك ما نعدهم به من العذاب لقادرون لا نعجز عن ذلك ولا عن غيره، لكن اقتضت الحكمة أن لا يكون ذلك واضحاً للعيان إلا في الآخرة، أما الدنيا فدار إبتلاء يظهر الصبر فيها عاقبة المحسنين وثواب العاملين (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) ادفع أيها الرسول من يسيء إليك بالخصلة التي هي أحسن بأن تصفح عنه وتصبر على أذاه، نحن أعلم بما يصفون من الشرك والتكذيب وبما يصفونك به مما لا يليق بك كالسحر والجنون، فإن أصابك ما يصيب البشر من انفعال أو غضب فالجأ إلى الله، تعوذ به واعتمد عليه (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ*وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) قل رب أعتصم بك من نزغات الشياطين ووساوسهم وأعوذ بك رب أن يحضروني في شيء من أموري، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فلربما أثاره أو استحكم عليه فيوقعه في الخطأ، لذلك كان بحاجة إلى حماية الله فلا يخطئ، لا يزال الكفرة يصرون على باطلهم ويتمسكون به حتى يفارقوا هذه الدنيا، فإن فارقوها تمنوا العودة إليها علهم يعملون عملاً ينفعهم في الآخرة، ما أغبى الإنسان وما أقل حياءه، يضيع الفرص التي أمامه ثم يبحث عن غيرها، ألم تكن الحياة أمامه يعمل ما يشاء، ألم يدعه الرسول فلماذا لم يجب، ينتظر إلى آخر لحظة ليتوب، فهل تقبل توبته؟! (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) حتى إذا جاء أحد هؤلاء المشركين الموت وعاين ما ينزل به قال ندماً على ما فات من عمره وما فرط في حق ربه، رب ارجعوني إلى الحياة الدنيا لعلي أعمل صالحاً إذا رجعت إليها، يأتي الجواب كلا ليس الأمر كما طلبت، إنها مجرد كلمة هو قائلها، فلو رد إلى الحياة الدنيا لما وفّى بما وعد به، وسيبقى هؤلاء الأموات في حاجز بين الدنيا والآخرة إلى يوم البعث والنشور، فلا يرجعون منه إلى الدنيا ليستدركوا ما فاتهم ويصلحوا ما أفسدوا، يمضون في البرزخ ما شاء الله لهم أن يمضوا (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) فإذا نفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن النفخة الثانية المؤذنة بالقيامة فلا أنساب بينهم يتفاخرون بها لانشغالهم بأهوال الآخرة، ولا يسأل بعضهم بعضا لإنشغالهم بما يهمهم (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فمن ثقلت موازينه برجحان حسناته على سيئاته، فأولئك هم المفلحون بما ينالون من مطلوبهم وما يجنبون من مرغوبهم (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) ومن خفت موازينه لرجحان سيئاته على حسناته فأولئك هم الذين ضيعوا أنفسهم بفعل ما يضرها وترك ما ينفعها، من الإيمان والعمل الصالح فهم في نار جهنم ماكثون لا يخرجون منها (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) تحرق وجوههم النار وهم فيها قد تقلصت شفاههم العليا والسفلى عن أسنانهم من شدة العبوس، ومن فوائد الآيات:
  • 1- الإستدلال باستمرار نظام الكون على وحدانية الله.
  • 2- إحاطة علم الله بكل شيء.
  • 3- معاملة المسيء بالإحسان أدب إسلامي رفيع، له تأثيره البالغ في الخصم.
  • 4- ضرورة الإستعاذة بالله من وساوس الشيطان وإغراءاته.

يقال لهم في ذلك الموقف وهم يعذبون في نار جهنم (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) يقال لهم تقريعاً لهم ألم يكن القرآن يتلى عليكم في الدنيا فكنتم بآياته تكذبون؟! قالوا:(قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ) قالوا ربنا غلب علينا ما سبق في علمك من شقاوتنا وكنا قوماً ضالين عن الحق (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) يا ربنا أخرجنا من النار، فإن رجعنا إلى ما كنا عليه من الكفر والضلال فإنا ظالمون لأنفسنا قد انقطع عذرنا (قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) قال الله اسكتوا أذلاء مهانين في النار ولا تكلموني (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) إنه كان فريق من عبادي الذين آمنوا بي يقولون ربنا آمنا بك فاغفر لنا ذنوبنا وارحمنا برحمتك وأنت خير الراحمين (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) فاتخذتم هؤلاء المؤمنين الداعين ربهم محلاً للإستهزاء تسخرون منهم وتستهزؤن بهم، حتى أنساكم الإنشغال بالسخرية منهم ذكر الله، وكنتم تضحكون منهم سخريةً واستهزاءً (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) إني جزيت هؤلاء المؤمنين الفوز بالجنة يوم القيامة لصبرهم على طاعة الله وعلى ما كانوا يتلقونه منكم من الأذى، وهنا يأتي السؤال يقيم به الحجة عليهم ويلزمهم أنهم جهلة لا يفكرون (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ*قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ) لما سألوا الرجوع إلى الدنيا ليصلحوا ما أفسدوا، ذكرهم بما عمروا فيها مما يمكنهم من التوبة لو أرادوا ذلك، قال كم مكثتم في الأرض من السنين وكم أضعتم فيها من وقت، فيجيبون بقولهم مكثنا يوماً أو جزءً من يوم فاسأل الذين يعنون بحساب الأيام والشهور (قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) قال ما مكثتم في الدنيا إلا زمناً قليلاً يسهل الصبر فيه على الطاعة لو أنكم كنتم تعلمون مقدار مكثكم، ثم يقيم عليهم الحجة ويبين السبب الذي لأجله خلقهم والحكمة من تكليفهم فيقول:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) أحسبتم أيها الناس أنما خلقناكم لعباً دون حكمة، فلا ثواب ولا عقاب مثل البهائم وأنكم لا ترجعون إلينا يوم القيامة للحساب والجزاء (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) فتنزه الله الملك المتصرف في خلقه بما يشاء الذي هو حق ووعده حق وقوله حق لا معبود بحق غيره رب العرش الكريم الذي هو أعظم المخلوقات، وما كان رباً لأعظم المخلوقات فهو ربها كلها (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلاهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) ومن يدع مع الله معبوداً آخر لا حجة له على إستحقاقه العبادة، "وهذا شأن كل معبود غير الله"، فإنما جزاء عمله السيء عند ربه سبحانه، فهو الذي يجازيه عليه بالعذاب، إنه لا يفوز الكافرون لنيل ما يطلبون ولا بالنجاة مما يرهبون (وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) قل أيها الرسول رب اغفر لي ذنوبي وارحمني برحمتك وأنت خير من رحم ذا ذنب فقبل توبته، ومن فوائد الآيات:
  • 1- الكافر حقير مهان عند الله.
  • 2- الإستهزاء بالصالحين ذنب عظيم يستحق صاحبه العذاب.
  • .3- تضييع العمر لازم من لوازم الكفر.
  • 4- الثناء على الله مظهر من مظاهر الأدب في الدعاء.
  • 5- لما افتتح الله السورة بذكر صفات فلاح المؤمنين ناسب أن تختتم السورة بذكر خسارة الكافرين وعدم فلاحهم.

تمت سورة المؤمنون وتتبعها سورة النور والحمد لله رب العالمين.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة