الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

القرآن يعلن عن نفسه 
سورة الفرقان   الآيات 1 - 33


السورة تعالج موضوع العقيدة من الإيمان بالله واليوم الاخر والنبوة، ومقصدها الرئيسي الإنتصار للرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه وإفحام أعدائه (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)استفتح البيان بهذا الفعل الذي لم يتكرر كثيراً في السور القرآنية، وهو بمعنى تعاظم وكثر خيره، أعني الذي نزّل الفرقان أي ما يفرق بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الهدى والضلال، على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون رسولاً إلى الثقلين الإنس والجن، يخوفهم من عذاب الله ويبشرهم على طاعته، وفي هذه الآية نص على أن القرآن منزل من عند الله على محمد، وأن محمداً أرسله الله نذيراً للعالمين يخوفهم العذاب ليقلعوا عنه متأثرين بالخوف، فإن جئت تسأل من هو؟ أجابك على نفس الطريق بالإسم الموصول وصلته التي هي علة الحكم (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) الذي له وحده ملك السموات وملك الأرض، ولم يتخذ ولداً لا المسيح ولا العزير ولا الملائكة، ولم يكن له شريك في الملك في ملكه لأنه خلق جميع الأشياء فقدر خلقها وفق ما يقتضيه علمه وحكمه، تقديراً كل بما يناسبه، ومن فوائد الآيات:

  • 1- الإسلام دين النظام والآداب، وفي الإلتزام بالآداب بركة وخير.
  • 2- منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتضي توقيره واحترامه أكثر من غيره.
  • 3- شؤم مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
  • 4- إحاطة ملك الله وعلمه بكل شيء.

ثم بيّن موقف غير المسلمين من الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالنبوة والرسالة فقال:(وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا) واتخذ المشركون من دون الله معبودات لا يخلقون شيئاً سواء أكان صغيراً أو كبيراً وهم يخلقون، فقد خلقهم الله من عدم ولا يستطيعون رفع ضر عن أنفسهم ولا جلب نفع لها، ولا يستطيعون إماتة حي أو إحياء ميت، ولا يستطيعون بعث الموتى من قبورهم، والجاهل الغبي كثيراً ما يتطاول على العالم بل على أهل الحق، وذكر هنا نموذجاً فقال:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا) هذه الكذبة الأولى ردوا بها عليه عندما ذكرهم شركهم بالله، ذكر موقفهم من كتابه ومن رسوله، نسبوا القرآن إلى شر أنواع الكذب فقالوا ما هذا القرآن إلا كذب اختلقه محمد، فنسبه بهتاناً إلى الله وأعانه على اختلاقه أناس آخرون، فبيّن القرآن أن هؤلاء قد افتروا قولاً باطلاً بعيداً عن الحق قريباً من الباطل، لأنه كلام الله لا يمكن أن يأتي البشر لا إنسهم ولا جنهم بمثله، ولو ساند بعضهم بعضاً وناصر بعضهم بعضاً وعاون بعضهم بعضاً ثم جاءوا بكذبة ثانية فيها من الوقاحة الكثير (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا) وقال هؤلاء المكذبون بالقرآن، القرآن أحاديث الأولين وما يسطرونه من الأباطيل إستنسخها محمد، فهي تقرأ عليه أول النهار وآخره، لكن لم يقولوا من أين استنسخها ولا من نسخها له ولا من يقرأها عليه، وهكذا كل قول باطل لا يستحق أن يرد عليه، لكن القرآن يدافع عن رسول الله ويرد كلام أعداء الله (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) بين السبب في إنزال القرآن ومنزله لتعم الفائدة ويتضح الدليل، قل أيها الرسول لهؤلاء المكذبين أنزل القرآن الله الذي يعلم كل شيء في السموات والأرض، وليس مختلقاً كما زعمتم، ثم قال مرغباً لهم بالتوبة إن الله كان غفوراً لمن تاب من عباده رحيم بهم، وكأني به يذكر السبب الذي لأجله أنزل القرآن، إنه تعليم الناس ودعوتهم أن يعودوا إلى المنهج يأخذون علومهم منه، ويتبعون الرسول الذي جاء من الله يبين لهم الحق ويدعوهم إليه، ويحضهم على قبوله والإلتزام به. ولما شككوا بالقرآن وتطاولوا عليه لم يفتهم أن يتطاولوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يثيرون الشائعات لينفروا الناس عنه ويبعدوهم عن المنهج، فذكروا أربعة أشياء توجب أن لا يكون القرآن حقاً والرسول صادقاً، واقترحوا أن ينزل الله معجزات تبين بزعمهم أنه رسول الله (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا*أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلا مَّسْحُورًا) ما دام محمد رسول الله فلماذا يبحث عن رزقه، يطرق الأسواق ويأكل الطعام، فهو بشر من البشر وهم كذلك، لماذا لا يكونون هم الرسل، وقال المشككون بالنبي ما لهذا الذي يزعم أنه رسول من عند الله يأكل الطعام كما يأكل غيره من الناس، ويسير في الأسواق بحثاً عن المعاش، هلا أنزل الله ملكاً يكون رفيقه، يصدّقه ويساعده ويدافع عنه، أو يلقى إليه كنز من السماء يستغني به عن طلب الرزق، أو تكون له حديقة يأكل من ثمرها فيستغني عن المشي في الأسواق وطلب الرزق، وقال الظالمون لأنهم كذلك ما تتبعون إلا رجلاً مسحورا مغلوباً على عقله بسبب السحر لا يعي ما يقول، ترى من المسحور أهو أم هم؟! من الذي لا يحكم عقله ولا يتبع المنهج السليم؟! من الذي يعرف ما يريد ويدعو إليه؟! ولكن الجاهل والعاجز يقلب الحقائق ويحاول أن يرمي داءه على غيره، على حد قولهم رمتني بدائها وانسلت، ومن هنا كان القرآن حازماً قوي الحجة واضحاً (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا) انظر أيها الرسول لتتعجب منهم كيف وصفوك بأوصاف باطلة، فقالوا ساحر وقالوا مسحور وقالوا مجنون، فضلوا بسبب ذلك عن الحق فلا يستطيعون سلوك طريق للهداية ولا يستطيعون سبيلاً إلى القدح في صدقك وأمانتك، ثم بين لهم طلاقة قدرة الله وأنه لا يعجزه شيء أراده فقال:(تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا) إن الله قادرٌ على أن يحقق ما اقترحوه من المعجزات وما طلبوه من الآيات، بأن يجعل لك في الدنيا حدائق تجري من تحتها الأنهار وقصوراً وأشجاراً تأكل من ثمارها، وقصوراً تسكن فيها منعمة، وبالفعل فقد خيره ملك الجبال أن يجعل له الصفا ذهباً بأمر الله فقال لا، أحب أن أكون نبياً عبداً أجوع يوماً فأضرع إلى الله، وأشبع يوماً فأحمد الله، ثم بين السبب الذي لأجله ردوا الرسالة وتنكروا للمرسل وحاربوا شرع الله فقال:(بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا) لم يصدر منهم ما صدر من الأقوال طلباً للحق وبحثاً عن البرهان، بل الحاصل أنهم كذبوا بيوم القيامة، وأعد الله لمن كذب بيوم القيامة ناراً عظيمة شديدة الإشتعال، عبر عن شدتها وقوتها بأمرين، أشار إلى الأول بقوله (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) إذا عاينت النار الكفار وهم يساقون إليها من مكان بعيد سمعوا لها غلياناً شديداً وصوتاً مزعجاً من شدة غضبها عليهم، لأنهم كفرة معاندون يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشار إلى الثاني بقوله: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) وإذا رمي هؤلاء الكفار في جهنم في مكان ضيق منها مقرونة أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل، دعوا على أنفسهم بالهلاك رجاء الخلاص منها، وطبيعي أن لا يكون خلاص من جهنم ولا خروج، لذلك رد القرآن دعاءهم فقال:(لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) يقال لهم في ذلك الموقف وهم يعذبون في نار جهنم لا تدعوا اليوم هلاكاً واحداً وادعوا اليوم هلاكاً كثيراً، إلا أنكم لن تجابوا إلى ما تطلبون بل ستبقوا في العذاب الأليم خالدين، وأما الثلاثة فعن طريق المقارنة بين نعيم الجنة وعذاب الآخرة، لتشتد الحسرة ويزيد الألم ويظهر التقصير، وإليه الإشارة بقوله: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا*لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولا) قل لهم أيها الرسول تعالوا بنا نعقد مقارنة بين ثواب اهل الجنة وعذاب أهل النار، فالجنة دار خلد يدوم نعيمها ولا ينقطع أبدا وهي التي وعدها الله المتقين من عباده المؤمنين أن تكون لهم ثواباً ومرجعاً يرجعون إليه، لهم في هذه الجنة ما يشاؤون من النعيم، كان على الله ذلك وعداً مسؤولاً، يسأله إياه عباده المتقون ، ووعد الله متحقق فهو لا يخلف الميعاد، وما قصصت عليكم من عذاب أهل النار وضيق المكان وشدة الحرارة، كل ذلك يدل دلالةً واضحة على أن نعيم الجنة خير كله، وعذاب النار شقاء كله، لكن متى يظهر ذلك فينكشف المطيع من العاصي والعامل من الخامل، إليه الإشارة بقوله (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ*قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا*فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا) ويوم يحشر الله المشركين المكذبين ويحشر معهم ما يعبدون من دونه، فيقول للمعبودين تقريعاً لعابديهم أأنتم أضللتم عبادي بأمركم لهم أن يعبدوكم، أم هم ضلوا السبيل من تلقاء أنفسهم؟ قال المعبودون تنزهت ربنا أن يكون لك شريك ما، يليق بنا أن نتخذ من دونك ولياً نتولاه فكيف ندعوا عبادك أن يعبدونا من دونك! ولكن متعت هؤلاء المشركين بملذات الدنيا ومتعت آباءهم من قبلهم إستدراجاً لهم، حتى نسوا ذكرك فعبدوا معك غيرك وكانوا قوماً هلكى بسبب شقائهم، ثم أقام الحجة على العابدين بما لا يدع مجالاً للشك، ليسقط في أيديهم ويستسلموا لله فقد كذبكم أيها المشركون من عبدتموهم من دون الله فيما تدعونه عليهم، فما تستطيعون دفع العذاب عن أنفسكم ولا نصرها لعجزكم، ومن يظلم منكم أيها المؤمنون بالشرك بالله نذقه عذاباً عظيماً مثل ما أذقناه من ذُكر. (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) ولما استنكر المشركون أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق رد الله عليهم بقوله وما بعثنا قبلك أيها الرسول من المرسلين إلا بشراً كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، فلست بِدعاً من الرسل في ذلك، وجعلنا بعضكم لبعض اختباراً في الغنى والفقر، والصحة والمرض بسبب هذا الإختلاف، أتصبرون على ما ابتليتم به فيثيبكم الله على صبركم، وكان ربك بصيراً بمن يصبر ومن لا يصبر وبمن يطيعه وبمن يعصيه، من الفوائد الآيات:
  • 1- الجمع بين الترهيب من عذاب الله والترغيب في ثوابه.
  • 2- متع الدنيا منسية لذكر الله.
  • 3- بشرية الرسل نعمة من الله للناس لسهولة التعامل معهم.
  • 4- تفاوت الناس في النعم والنقم إختبارٌ إلهي لعباده.

ثم ذكر فريةً افتراها الذين لا يرجون لقاء الله، افتروها تشكيكاً برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أشار إليها بقوله:(وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا*يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا) عندما يركب الكبر الإنسان يخيّل إليه أنه شيء ذا قيمة، فيتوهم أموراً لا حقيقة لها، وهؤلاء الكافرون الذين لا يؤملون لقاء الله ولا يخشون عذابه يتمنون أن ينزل الله عليهم الملائكة فتخبرهم بصدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو يشاهدون الله عياناً فيخبرهم بذلك، لقد عظم الكبر في نفوس هؤلاء إلى أن منعهم من الإيمان، وبالغوا في قولهم مبالغةً عظيمة أوصلتهم إلى الكفر والطغيان وجعلتهم يعرضون عن الإيمان، ماذا تريدون من الملائكة؟ أتظنون أنهم يأتون لمحادثتكم ومسامرتكم!! الملائكة قوم عاملون يتحركون بأمر الله، أوكل إليهم الله مهاماً كثيرة منها قبض أرواحهم ومعاقبتهم، يوم يعاين الكافرون الملائكة عند موتهم وفي البرزخ وعند بعثهم وحين يساقون للعذاب، وحين يدخلون في النار لا بشارة لهم في تلك المواقف، بخلاف المؤمنين، وتقول لهم الملائكة حراماً محرماً عليكم البشرى من الله، ويتمنون أن لو ثمة نكاناً يحتمون به من بطش الملائكة أو من عذاب الله، لكن هيهات لابد من الحساب، أشار إليه بقوله:(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) وعمدنا إلى ما عمله الكفار في الدنيا من عمل البر والخير فصيرناه في بطلانه وعدم نفعه بسبب كفرهم مثل الغبار المفرق يراه الناظر في شعاع الشمس الداخل من طرف النافذة ولا يستطيع أن يمسك به، لأنه لا يمسك يشبه الهواء وإمساكه نوع من الخيال، في ذلك الموقف العظيم لا ينتفع الإنسان إلا إن كان مؤمناً عاملا بطاعة الله مجتنباً معصيته (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) إنهم المؤمنون ولا أحد غيرهم، في ذلك اليوم أفضل مقاماً وأحسن مكان راحة، وقت قائلتهم في الدنيا من هؤلاء الكفار، ذلك لإيمانهم بالله وعملهم الصالح الذي استحقوا عليه الأجر العظيم، فإن جئت تسأل متى يكون ذلك يأتيك الجواب عن طريق الإشارة والإيماء (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلا) واذكر أيها الرسول يوم تشقق السماء عن سحب بيضاء رقيقة، ونزّل الملائكة إلى أرض المحشر تنزيلاً كثيراً لكثرتهم، يسوقون الناس إلى الحساب إلى ملك الملوك (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) الملك الذي هو الملك الحق الثابت يوم القيامة للرحمن سبحانه، وكان ذلك اليوم على الكفار صعباً بخلاف المؤمنين فإنه سهل عليهم، لأن المؤمنين هم الآمنون، أما الكفار فهم النادمون، يحزنون على ما فات ويخافون مما هو آت، أوضح ذلك كله (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا*يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا*لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا) اذكر أيها النبي الكريم ومن بعده يا من تقرأ القرآن على مر الليالي وتوالي الأيام، يوم يعض الظالم بسبب ترك اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، على يديه ندماً على ما فرط قائلا يا ليتني اتبعت الرسول فيما جاء به من عند ربه، واتخذت معه طريقاً إلى النجاة من عذاب الله، ينادي ويلته فهذا أوانها، تحضر لتشاركه حزنه، يقول من شدة الأسف داعياً على نفسه بالويل يا ويلتي ليتني لم اتخذ فلاناً صديقاً لأنه كافر مفسد زين له الكفر وحببه إليه، وصرفه عن الإيمان فها هو يصرح بذلك، لقد أضلني هذا الصديق الكافر عن القرآن بعد أن بلغني عن طريق الرسول، وكان الشيطان للإنسان كثير الخذلان، إذا نزل به كرب تبرأ منه، وهنا يتذكر الناس كتاب الله وتفريطهم في حفظه، لكنّ القرآن يعلن ذلك على لسان رسوله تبكيتاً لهم (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) وقال الرسول في ذلك اليوم شاكياً حال قومه، يا رب إن قومي الذين بعثتني إليهم تركوا هذا القرآن وأعرضوا عنه، وكلمة مهجوراً أي متروكاً حساً بعدم قراءته في الليل والنهار، فإن قراءته نور وعز، ومعنى بعدم تدبره والعمل بما أمر به على حد قوله صلى الله عليه وسلم: "رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه"، ومهما يكن فإن من ترك قراءة القرآن في الدنيا فإنما يفعل ذلك طاعةً للشيطان وابتعاداً عن الرحمن، لذلك تراه يقول في الآية التالية (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) مثلما لاقيت أيها الرسول من قومك من الإيذاء والصد عن سبيلك، جعلنا لكل نبي من الأنبياء من قبلك عدواً من مجرمي قومه، وكفى بربك هادياً يهدي إلى الحق، وكفى به نصيراً ينصرك وينصر أولياءه على أعدائهم، فهو القادر، والنصرة إما بتلقينه الحجة ورد الشبهة وتحقيق الحق وإبطال الباطل، أو بالقوة المادية بقهر أعدائه وخذلانهم، وختم الآيات ببدعة ابتدعها الكفار، يتدخلون بها في القرآن نفسه، يريدون أن يدخلوا أنفهم فيما لا علاقة لهم به (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا*وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) وقال الذين كفروا بالله هلا نزل على الرسول هذا القرآن دفعة واحدة ولم ينزل مفرقاً في بضع وعشرين سنة، رد عليهم رداً مفحماً يدحض باطلهم ويدلل على الحق فقال أنزلناه مفرقاً لنثبت به قلبك، فإن النبي إذا أصابه أمر نزل القرآن يواسيه ويأخذ بيده ويحنو عليه ويرفق به، ونزول القرآن مرة بعد مرة يسهل حفظه ويثبت فهمه ويقوي إيمان المسلمين، ويشعرهم أنه معهم يراقب حركاتهم وسكناتهم، فتقوى في أنفسهم صفة المراقبة لله، ويزدادوا يقيناً على يقين، ويسهل عليهم حفظه وفهمه وتجويده، ولا يذكرون شبهة إلا رد القرآن عليها، ولا حجة إلا دحضها، وجاء بالحق الثابت الواضح، ولكن الأغبياء أرادوه أن ينزل دفعة واحدة ليرتاحوا منه ولا يفيدوا منه الفائدة العملية التي أرادها القرآن من إنزاله على هذه الصفة، ومهما يكن ففي الآيات فوائد:
  • 1- الكفر مانع من قبول الأعمال الصالحة.
  • 2- قرناء السوء ربما كانوا سبباً في إضلال قرنائهم من المؤمنين.
  • 3- ضرر هجر القرآن حساً بعدم قراءته وحكماً بعدم تدبره.
  • 4- من حكم تنزيل القرآن مفرقاً طمأنة النبي صلى الله عليه وسلم وتيسير فهمه عليه، وحفظه له، والعمل به وتعليمه للناس.
  • 5- نزول القرآن مفرقاً يعين المؤمنين على فهمه وتدبره والعمل به، ويربيهم على مراقبة الله والحرص على طاعته وتنفيذ أوامره ومراقبته.

هذا ما تيسر بيانه، أما عاقبة المعرضين عن المنهج المتبعين الهوى فسأبينها بعد، فاللهم سهل لنا فهم كتابك وتدبره والعمل به، نور أبصارنا وبصائرنا بنوره ونور سنة نبيك صلى الله عليه وسلم.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة