الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين النبوة والقضاء 
سورة الأنبياء   الآيات 76 - 112


سبق أن بحث في أنبياء منهم موسى وإبراهيم وأولاده، لينتقل إلى نوح والد الجميع فقال:(وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ*وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) اذكر يا محمد صلوات الله وسلامه عليك قصة نوح الأب الثاني للبشر إذ نادى الله من قبل، أي من قبل إبراهيم ولوط، لأن نوحاً هو الوالد وإبراهيم ولوط وموسى أولاده، فاستجاب الله له فأعطاه ما طلب، نصره على الكفرة الذين استهزؤا به وتطاولوا عليه، وظلموه فسببوا له غماً عظيماً فأنقذه الله وأهلكهم، نجاه من مكر القوم الذين كذبوه بما أيده به من الآيات الدالة على صدقه، وبالطوفان الذي استأصل الله به المكذبين، لأنهم كانوا قوم فساد وشر فأهلكهم أجمعين ميتةٌ ما بعدها ميتة أن يموت الإنسان غرقاً، يموت قبل أن يموت ويعذب قبل أن يتعذب، هكذا جزاء من يستهزيء برسل الله ويتطاول على أنبياء الله.
ثم ذكر لنا نبيين من أنبياء الله هما داود وسليمان في قضية خاصة، غنم أكلت الحرث في الليل فترافع أهل الغنم وأهل الحرث إلى داود عليه السلام، فانتقل إلى المكان وأجرى دراسةً تبين له من خلالها أن ثمن الغنم يساوي ثمن الحرث الذي أكلته، فأعطى الغنم لأصحاب الزرع، عاد أصحاب الغنم حزانى وأصحاب الزرع فرحين، فمروا بسليمان فسألهم بماذا قضى أبي؟ قالوا قضى بكذا، قال ارجعوا، فرجع معهم إلى أبيه وكان داود يدرّب ابنه ليكون خليفةً عادلاً يحكم بالحق ولا يخشى في الله لومة لائم، قال سليمان لأبيه ما قضى به الملك عين العدل ولكن ثمة رأي آخر أرفق بالفريقين وأنفع، أراد سليمان أن يعلم أصحاب الغنم مقدار ما يعاني الزارع حتى يصير زرعه نضجاً، وأن يعلم أصحاب الغنم أن يحفظوا غنمهم في الليل فلا يطلقونها في بساتين الجيران، قال داود ما رأيك قال ثمة رأي أرفق، نعطي الغنم لأصحاب الزرع ينتفعون بألبانها وأصوافها وأشعارها بنفقة إطعامها ورعايتها، ونعطي الزرع لأصحاب الغنم فيعيدون إصلاحه والسهر عليه حتى يعود كما كان وقت أكلته الغنم، ثم نعيد إلى أصحاب الأرض أرضهم وإلى أصحاب الغنم غنمهم، سجّل ذلك الوحي الإلهي قرآناً يتلى، فيه عبرة لمن يعتبر وعظة لمن يتعظ (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) (إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) أي رعته ليلاً في غفلة من أصحابه، يقول تعالى اذكر أيها الرسول قصة داود وابنه سليمان عليهما السلام وقت أن كانا يحكمان في قصة رفعت إليهما بشأن خصمين لأحدهما غنم إنتشرت ليلاً في حرث الآخر فأفسدته، وكان الله مطلعاً على حكم داود وحكم سليمان، لم يغب عن الله من حكمهما شيء، ولما كان سليمان قاضياً فهم من القضية ما لم يفهمه داود عليه السلام، قال الله :(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) يعني دون أبيه داود، وكلاً من داود وسليمان أعطيناه النبوة والعلم بأحكام الشرع، لم نخص به سليمان وحده، وسخّر الله مع داود الجبال تسبح بتسبيحه، وطوّعنا له الطير يطير بإرادته وينزل بإرادته، يأتمر بأمره وينتهي إذا نهاه، وأعطاه الحكم والعلم والتسخير.
ومما تفرد به داود عليه السلام أن الله ألان له الحديد وعلمه أن يصنع منه دروعاً لتحمي الخلق من فتك السلاح بأجسادهم، نعمة عظيمة فهل أنتم أيها الناس شاكرون لهذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم، وقال في موضع آخر (وألنا له الحديد أن إعمل سابغات وقدّر في السرد) وخص سليمان فسخّر له الريح عاصفةً تجري بأمره إلى الأرض التي بارك فيها وكان الله بكل شيء عالماً، طوّع له الريح شديدة الهبوب تجري بأمره إذا أمرها إلى أرض الشام التي بارك الله فيها بما بعث فيها من الأنبياء وبما بسط فيها من الخيرات (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ*وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) ومن فوائد الآيات:

  • 1- فعل الخير والصلاة والزكاة مما اتفقت عليه الشرائع السماوية.
  • 2- ارتكاب الفواحش سبب في وقوع عذاب الإستئصال في الدنيا وعذاب النار في الآخرة.
  • 3- الصلاح سبب في الدخول برحمة الله.
  • 4- الدعاء سبب في النجاة من الكروب.
ومما خص الله به سليمان عليه السلام أن سخّر له الشياطين فكان بعضهم يغوص في البحر طلباً للؤلؤ، ويعملون أعمالاً غير ذلك كالبناء، وكان الله لأعدادهم وأعمالهم حافظاً لا يفوته شيء من ذلك (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) واشتهر عن سليمان أن امرأتين كان لكل واحدة منهما ولد، فأكل الذئب أحد الولدين فأرادت أمه أن تأخذ ولد الأخرى بحجة أن ولدها أكله الذئب، فرفضت الأخرى وترافعا إلى داود فقضى بالولد للأم التي تحمله بناءً على أن الولد معها وتدعي أنه ابنها، ولما خرجوا من عند داود مروا على سليمان فشكوا له ذلك فقال سليمان اصبرا قليلاً ودخل إلى بيته فأخرج سكيناً، قالت أم الولد ما تريد أن تصنع بها، قال أريد أن أعطيها نصفه وأعطيك نصفه، قالت الأم الحقيقية لا تفعل، إن الولد ولدها وليس ولدي، ففهم عندها سليمان أن الولد ولد الأخرى، فأعطاها أياه ولم يعط الأخرى شيئاً، وهذا يدل على حنكته وسرعة بديهته وقدرته على الوصول إلى الحق والحكم بالعدل، وصفوة القول أن الله سخّر لداود وسليمان ما لم يسخر لغيرهما، وجعل الشياطين يخدمونهما وحفظهما من الشر. (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) واذكر أيها الرسول قصة أيوب شيخ الصابرين حين دعا ربه يشكو إليه ما نزل به من البلاء قائلاً يا رب إني أصبت بالمرض وفقد الأهل والمال وأنت أرحم الراحمين، فاصرف عني ما نزل بي من البلاء فأنت القادر على ذلك، فأجاب الله دعوته وصرف عنه ما أصابه من ضر، وأعطاه ما فقد من أهل وأولاد وأعطاه مثلهم معهم، كل ذلك رحمةً من عند الله وتذكيراً لكل منقاد لله بالعبادة ليقتدي بأيوب بالصبر فيفوز كما فاز، ولما ذكر أيوب وما أكرمه الله به لصبره على البلاء ناسب أن يذكر ثلاثة من الرسل إسماعيل وادريس وذا الكفل، ذكر اثنين منهم لم يفصّل القول فيهما وهما ذا الكفل وادريس، وأشار إلى اسماعيل إشاراتٍ لطيفة، لكنه حكم وحكمه عدل فحكم على أن كل واحد منهم من الصابرين على البلاء وفي القيام بما كلفهم الله به راضين بالقضاء وأدخلهم في رحمته، فجعلهم أنبياء في الدنيا وأدخلهم الجنة في الآخرة، فإنهم من عباد الله الصالحين الذين عملوا بطاعة ربهم وصلحت سرائرهم وعلانياتهم، ثم ذكر قصة نبي هرب من قومه وترك ما كلفه الله به ظاناً أنه يفلت من عذاب الله، فأراه الله أن يؤديه وأعاده إلى الجادة (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ*وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ*وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) يونس دعا قومه فلم يستجيبوا له فغضب منهم لتماديهم في العصيان، فظن أن الله لن يضيّق عليه سيتركه وشأنه ولن يعاقبه على هربه من المهمة، فابتلاه الله بشدة الضيق والحبس حين التقمه الحوت، فدعا في ظلمات بطن الحوت والبحر والليل مقراً بذنبه تائباً إلى الله منه، واعترف أن لا معبود بحق إلا الله، ونزّه الله عما خطر بباله من الأوهام، فأجاب الله دعوته ونجاه من كرب الظلمات ومن بطن الحوت، ومثل إنجاء يونس من كربه هذا ينجي الله المؤمنين إذا وقعوا في كرب ودعوا الله مخلصين صادقين كاملي الإيمان، ولما أجاب دعاء يونس ناسب أن يذكر إجابة دعاء زكريا (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكر زكريا حين نادى ربه قائلاً ربي لا تتركني منفرداً لا ولد لي وأنت خير الباقين، فارزقني ولداً يبقى بعدي، وكانت امرأته عاقر قد بلغت من العمر أرذله، ومع ذلك وهبه الله الولد فقتله الرومان لأنه كان حصوراً لا يميل إلى المرأة، فأرادته إحداهن فلم يجبها، فأغرت أحد زبانيتها بقتله، ولم يفلح بالهرب منها، المهم أن الله أجاب دعاء زكريا، ولما كانت زوج زكريا من القواعد فقد أصلحها الله ومكنها من الحمل اكراماً لزوجها، فصارت ولوداً بعد أن كانت لا تلد، وإن زكريا وزوجه وابنه ومن تقدم من الأنبياء قبله كانوا يسارعون إلى فعل الخيرات ويدعون ربهم راغبين فيما عنده من الثواب خائفين مما عنده من العقاب، وكانوا متضرعين لله في ليلهم ونهارهم، من فوائد الآيات:
  • 1- الصلاح سبب للرحمة.
  • 2- الإلتجاء إلى الله وسيلة لكشف الكرب.
  • 3- فضل طلب الولد ليبقى بعد الإنسان إذا مات.
  • 4- الإقرار بالذنب والشعور بالإضطرار إلى الله وشكوى الحال له وطاعة الله في الرخاء أسباب إجابة الدعاء وكشف الضر.
وختم الحديث عن الرسل والأنبياء بذكر والدة عيسى عليه السلام فقال:(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) رغم ما حاول اليهود الحاقه بها، إلا أن القرآن برّأها، فأثنى على التي صانت نفسها من الزنا، فوهبها الله عيسى عليه السلام وكانت هي وابنها عيسى آيةً للناس تدل على قدرة الله وأنه لا يعجزه شيء، حيث خلقه من غير أب، معجزةً دالةً على كمال قدرته ما أوهم النصارى أنه ابن الله لضعف عقلهم وفرط جهلهم، ثم بيّن أن أمة البشر أمة واحدة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) هي ملة التوحيد ملة أبينا إبراهيم دين الإسلام، فأخلصوا العبادة لله وحده فهل أجاب الناس هذه الدعوة!! لاشك أن بعضهم استجاب وبعضهم لم يفعل، فصار منهم الموحد والمشرك والمؤمن والكافر، وكل منهم راجعون إلى الله وحده يوم القيامة فيجازيهم على أعمالهم، فالعمل هو الذي ينفع الإنسان إن كان صالحاً، أو يكون وبالاً عليه إن كان غير ذلك، اسمعه يقول:(وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ*فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) من عمل منهم الأعمال الصالحات وهو مؤمن بالله ورسله واليوم الآخر فلا جحود لعمله الصالح، بل يشكر الله له ويتفضل عليه فيضاعف له الثواب، ويجد ذلك في كتاب عمله يوم يبعث ويسر به، ومفهومها أن الذي لا يعمل الصالحات لا يجد شيئاً من الحسنات، ثم بيّن أن من المستحيل على أهل قرية أهلكها الله بسبب كفرها أن يرجعوا إلى الدنيا ليتوبوا وتقبل توبتهم (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) واستعمل هنا حرام بمعنى المستحيل أو غير ممكن، لأن من مات لا يعود إلى الدنيا إلا يوم القيامة، ثم أشار إلى بعض مقدمات يوم القيامة فقال:(حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ*وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) فمن أهلكه الله سواء عن طريق الموت الطبيعي أو عذاب الإستئصال لا يعود إلى الدنيا إلا بعد النفخة الثانية، أما مقدمات النفخة الأولى ففتح سد يأجوج ومأجوج، حين يخرج هؤلاء القوم مسرعين، وساعة إذ اقترب الوعد الحق يوم القيامة، كما قال ذو القرنين (فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا) بخروج يأجوج ومأجوج إقتربت القيامة وظهرت أهوالها وشدائدها، فإذا أبصار الكفار مفتوحة من شدة هولها يقولون يا هلاكنا قد كنا في الدنيا في لهو وانشغال عن الإستعداد لهذا اليوم العظيم، بل كنا ظالمين بارتكاب المعاصي، هناك يقال لهم (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) إنكم أيها المشركون ومعبوداتكم التي تعبدونها من دون الله ومن يرضى منهم بعبادتكم من الإنس والجن وقود جهنم، أنتم ومعبوداتكم فيها داخلون، ثم يقال لهم (لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ) لو كانت هذه المعبودات آلهة تعبد بحق ما دخلوا النار مع من عبدوهم، وكل من العابدين والمعبودين في النار مخلدون فيها أبدا لا يخرجون منها (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ) من شدة ما يلاقونه من الأهوال تنفسهم شديد لما يلاقونه من الآلام، وهم في النار لا يسمعون الأصوات من شدة الفزع الذي أصابهم، هذا مصير أهل النار فما مصير أهل الجنة؟! (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ*لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ*لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) هذه الآية نزلت رداً لقول المشركين إن عيسى والملائكة الذين عبدوا سيدخلون النار، فرد الله عليهم أبلغ رد وأقواه، ومن فوائد الآيات:
  • 1- بينت الآيات فضل التوبة والعفاف.
  • 2- اتفاق الرسالات السماوية على الإيمان بالتوحيد وأسس العبادات.
  • 3- فتح سد يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى.
  • 4- الغفلة عن الإستعداد ليوم القيامة سبب لمعاناة أهوالها.
ولما حكم أن الذين سبق في علم الله صلاحهم وإيمانهم مبعدون عن جهنم، لا يصل إلى سمعهم صوت جهنم، حكم أنهم فيما اشتهت أنفسهم من النعيم والملذات خالدون ماكثون مكثاً طويلاً أبدا، نعيمهم لا ينقطع، لا يخيفهم الهول العظيم حين تطبق النار على أهلها، وتستقبلهم الملائكة بالتهنئة قائلين (هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) في الدنيا وتبشرون بما تلاقون فيه من النعيم. ثم ذكر شيئاً من أهوال يوم القيامة فقال:(يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) يوم نطوي السماء مثل طي الصحيفة على ما فيها ونحشر الخلق على هيئتهم التي خلقوا عليها أول مرة، وعدنا بذلك وعداً لا خلف فيه، إنا كنا منجزين للخلق ما وعدناهم به، ثم ذكر أن الله وعد المؤمنين أن تكون الأرض لعباد الله الصالحين (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) كتب الله في الكتب التي أنزلها على الرسل بعد ما كتبه في اللوح المحفوظ، إن الأرض يرثها عباد الله الصالحون العاملون بطاعته وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن فيما أنزلنا من الوعظ لبلاغاً لقوم عابدين ربهم بما شرعه لهم، فهم الذين ينتفعون بذلك (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ). ثم بيّن مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم وشرفه وفضله فقال:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) وما بعثناك يا محمد صلوات الله وسلامه عليك رسولاً إلا رحمةً للخلق لما تتصف به من الحرص على هداية الناس وإنقاذهم من عذاب الله، فبعثته صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، به انقذ الله الأمة الأمية وجمعها بعد تفرّق، وحدها بعد اختلاف، جعلها قائدة للعالم على طريق الخير، ثم لخّص رسالة الإسلام فقال:(قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ*فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ) إن ما يوحي إلي ربي أن معبودكم بحق معبود واحد لا شريك له وهو الله، فانقادوا للإيمان به والعمل بطاعته، وأسلموا قيادكم له، تولوه ولا تولوا غيره، فإنكم إن توليتم غيره أو عملتم بغير طاعته يوشك أن يأتيكم العذاب الذي هددكم به رسول الله حين قال فإن أعرض هؤلاء عما جئتهم به فقل أيها الرسول لهم أعلمتكم أنني وإياكم على أمر مستوٍ بيني وبينكم من المفاصلة، ولست أعلم متى ينزل بكم ما وعد الله به من عذابه (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ) إن الله يعلم ما أعلنتم من القول وما تكتمونه منه لا يخفى عليه شيء من ذلك وسيجزيكم عليه، ولست أدري لعل تأخير العذاب عنكم إختبار لكم أو استدراج وتمتيع إلى أمد مقدّر في علم الله لتتمادوا في كفركم وضلالكم (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) وكأن القيامة قامت والصحف نشرت والخلق وقفوا بين يدي رب العزة، فناسب أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم داعياً ربه ربي افصل بيننا وبين قومنا الذين أصروا على الكفر بالقضاء الحق، وبربنا الرحمن نستعين على ما تقولون بالكفر والتكذيب (قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) ومن فوائد الآيات:
  • 1- الصلاح سبب للتمكين في الأرض.
  • 2- بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه وسنته رحمة للعالمين.
  • 3- الرسول لا يعلم الغيب.
  • 4- علم الله محيط بما يصدر عن عباده من قول أو فعل أو تقرير.
وبعد فهكذا تنتهي سورة الأنبياء، عشنا مع أنبياء عانوا من قومهم ما عانوا، فكان لنا في معاناتهم عبرة، وكان لنا في أخبارهم ثقافة، تصوّب المسار، تسدد الطريق، توجّه إلى الحق، تحيي القلب، فاللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة