الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

لمَ الخلاف في البعث 
سورة النحل   الآيات 37 - 64


كان النبي صلى الله عليه وسلم محباً لأمته حريصاً على هدايتهم يبذل في سبيل ذلك جهده ووقته لأنه كان مشفقاً عليهم يخاف أن يدخلوا النار، فجاء قوله:(إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) إن الله إذا علم من عبده ظلام نفسه وتحكم الهوى فيه وعدم رغبته في الطاعة علم أنه لا يهتدي فلا يوفقه للهداية، ونسب الإضلال والهداية له لأنه خالق أفعال العباد، ونفى أن يكون لهم من ناصر ينصرهم لأنه لا أحد يستطيع أن يتصرف في هذا الكون دون إذنه، ولما استحكم فيهم الباطل تجرؤا فأنكروا البعث الجسماني وحلفوا على ذلك أيماناً مغلظة، فرد عليهم مبيناً الحكمة التي تستفاد من الخلاف في البعث الجسماني، فجعل الخلاف دليلاً على وقوعه به يثبت صدق الصادقين وزيف المخادعين فقال:(وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ*لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ) إن الحق واضحٌ لا يحتاج إلى قسم، أما القول الآخر فيحتاج إلى دليل، فلما عجز الخصم عن الدليل استخدم اليمين ليدل به على صدقه، فقلب القرآن عليه الدليل، لما حلفوا بالله واجتهدوا في تغليظ اليمين على قضية خاصة لها ما بعدها في المجتمع، وجعلوا المقسم عليه جملة خبرية منفية ب"لا النافية"، وعدم وجود البعث ينتج عنه عدم التكليف وعدم الحساب وضياع الأموال والأنفس والثمرات، إذ البعث دليل على الباعث وحجة على العامل وقد وعد الله به ووعد الكريم لا يتخلف، فمهما أقسموا من ايمان لا تنفع شيئاً لأنها مبنية على الوهم والظن، لذلك ذيّل الآية بجملة خبرية تدل على صدقه وعلى كذب المقسمين (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) علماً يقينياً قطعياً له دليل من القرآن والسنة والعقل، وإضافة إلى الدليل العقلي جاء بدليل عقلي ثاني ليبين لهم أن الذي اختلفوا فيه حق فمتى حصل البعث تبيّن كذب من ينكره وثبت أن البعث حق ورأى الناس ذلك عياناً، فإن جئت تسأل أيستطيع الله أن يبعث الخلق؟ بلى يستطيع وقد أقام الدليل في غير ما آية على أنه قادر على البعث، من ذلك قياسه على البدء وقياسه على خلق السموات والأرض وقياسه على خلق المأكولات المختلفة، وبيّن هنا أنه لا يعجزه شيء ما أراده أن يكون كان كما أراد كالفرق بين الكاف والنون، ولا حاجة أن يقول كن ولا غيرها ولكن يكفي أن يريد ما يريد فيكون ما أراد، هناك يظهر الصالح من الفاسد (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ). الصالح هو الذي عمل بطاعة الله، تحمل ظلم خلق الله ثم ترك بلاده حباً في الله وسعياً إلى اللحاق برسول الله، فيستحق أكرم جزاء (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وعدهم بأن يكون لهم مكان مرموق في الدنيا وثواب عظيم في الآخرة أكبر مما أعطوا في هذه الحياة الدنيا، ما داموا قد عملوا بطاعة الله وصبروا على ذلك وعن معصيته، لأنهم متوكلون على الله راضون بقضائه قانعون بعطائه صابرون على البلاء. القصة تتكرر فالآخرون أنكروا النبوة، بل أنكروا أن يكون النبي من البشر، والذين من قبلهم كان رأيهم كذلك، فرد على الجميع فقال:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ*بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) إن إرسال الرسل من البشر ليس أمراً عجيباً لا يحتاج الإيمان به إلى أدلة مقنعة وبراهين قاطعة بل تكفي المعجزة التي يؤيد بها الله الرسول فجميع الرسل كانوا رجالاً يأكلون الطعام، يمرضون كما يمرض الرجال، ويعملون كما يعملون، وقد اقتضت الحكمة أن يؤيد الله الرسول بمعجزة حسية تدخل إلى قلوب الناس قبل عقولهم، لكن ما وظيفة الآباء ولماذا يكون الرسل كذلك؟ وظيفة الآباء أن يعلموا أبناءهم أمور العقيدة وينشّئوهم على الأخلاق الفاضلة، يصوبوا مسارهم ويقوّموا ما اعوج من أخلاقهم، وقد اختص الرسل بوحي متلو أشار إليها هنا بالزبر وبمعجزات أشار إليها بالبينات، لأن المعجزة دليل قطعي كأن الله يقول فيها صدق عبدي فيما يبلغ عني، وسمى القرآن ذكراً وعرّفه ليبيّن أنه يذكّر بالله، يقوّم الأخلاق، يصوّب المسير، ينظّف العقل، يصوّب المنهج، يوضّح المسائل، لذلك قال:(لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فببيان معاني القرآن يهذب السلوك ويصوّب المسار ويفهم القارئ والسامع الأوامر ويتربى على الأخلاق الفاضلة، يتفكر في الآيات فيصل إلى اليقين، يتفكر في المخلوقات فيتوصّل بمعرفتها إلى معرفة خالقه وصفاته صفات الجلال وصفات الجمال، من هنا كان القرآن دليلاً كافياً للإيمان ما احتاج الصحابة إلى غيره حتى آمنوا إيماناً راسخاً، فقارعوا الكفر واجتهدوا في محاربته، ثقةً بالله واعتماداً عليه وخوفاً منه، وهاهو يهدد ويتوعد الذين يضمرون الشر لإخوانهم يحاربون الحق ويسعون لصرف الناس عنه وعن الإيمان بالرسول، هددهم أولاً بالخسف كما فعل بقارون، وهددهم ثانياً بالعذاب من حيث لا يتوقعون كما فعل بقوم شعيب، أو يأخذهم وهم يتنقلون في البلاد هنا وهناك في البر أو في البحر، أو يأخذهم على تخوف بأن يشغل قلوبهم بالهم والحزن والخوف فيرتفع ضغطهم ولربما تنفجر شرايينهم أو يصابون بسكتة دماغية أو جلطة، لكن الله ذو رحمة واسعة وشفقة على الخلق يحلم عليهم ليعلمنا الحلم ويصبر عليهم ليعلمنا الصبر وليعلمنا أن نعيش مع المخالفين، نصبر على ذلك حسبةً لوجه الله، فاسمعه يقول:(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ*أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ*أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)، الكون كله يخاف الله ويخضع لأمره ويطيعه، والإنسان وحده هو الحيوان الذي يعاند ويخاصم ويتفلسف، لينظر إلى الخلق فيرى ما يشرح صدره ويصوّب مساره (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ) (أ) كذبوا (وَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ) أي شيء أكان في السماء أم كان في الأرض في جوف السماء أو في أعماق الأرض والبحر (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ) فالكون كله في طاعة، وصدق الله (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) فكل المخلوقات تؤدي ما كلفت به لا تسأل ولا ترفض، الأرض تنبت ولا تسأل لمن، والسماء تمطر ولا تسأل على من، والشمس تشرق تمد الناس بالحرارة والنور ولا تسأل لماذا أمدهم، وهكذا كل مخلوق يؤدي ما كلفه الله به، فإذا عمل الإنسان بطاعة الله واستقام على أمره أحس براحة وطمأنينة وأمن، وإذا عمل بمعصيته شعر بالضيق والهم والقلق، مصداق ذلك:(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ*يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) فجميع الخلق خاضع لله، إما بالاختيار وهم المؤمنون العاملون أو بالإكراه وهم جميع الخلق، لأنه المتصرف في الكون لا يستطيع أحد أن يتمرد عليه أو يتكبر عن طاعته، الكل يخافه ويخضع له بالقهر ولكن الله يريد من عباده أن يخضعوا له بإرادتهم وكمال حريتهم وإلا فمن يستطيع أن يمتنع من المرض أو من الموت، وقوله:(مِن دَابَّةٍ) أراد بها العموم فتشمل كل ما يمشي على الأرض، (مِّن فَوْقِهِمْ) ليس المراد الفوقية اللغوية أو العلو، ولكن لأن إرادته فوق إرادتهم على حد قوله:(وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين)، إن أراد بهم الملائكة فمسلّم لا شك فيه لأن الملائكة مجبولون على الطاعة، وإن أراد البشر فيفعلون طائعين راضين أو مكرهين مجبوريين، مهددين بالعذاب كما سبق. حكم الله أن لا مستحق للعبادة إلا هو لأنه الخالق والمالك، وعليه فيكون الدين بجميع معانيه لازماً له، ثم ينكر على الخلق أن يتقوا غيره (وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ*وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ* وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ*ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) نهى أن يتخذوا إلاهين إثنين كما فعلت الثنوية الذين عبدوا النور والظلمة، ومن عبد الكوكب مع الله فعبد الله والكوكب، ومعلوم أن الظلام والكوكب والأصنام والمسيح والعزير وغيرهم من المعبودات لم يخلق، ومن لا يخلق لا يصح عقلاً أن يكون إلاهاً، وخوفهم على طريق الحصر فقال:(فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أمرهم أن يخضعوا لعظمته واستدل على ذلك بثلاثة أدلة أو أربعة سردها: الأول ما في السموات والأرض، الثاني الدين بمعانيه الجزاء والحساب والخضوع والوضع الإلهي السائق لذوي العقول إلى ما فيه صلاح حالها ومآلها، الثالث جميع النعم منه فالشكر واجب له ولا يدفع النقم إلا هو، فالحمد مستحق له، وفي هذا وذاك تخطئون فيعفو عنكم وتتمادوا في خطئكم فيشرك بعضكم بربه، إن من يطيع الله هو الرابح ومن يعصه هو الخاسر، والله غني عن الجميع وينعم على الجميع (لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) إن من يغتر بهذه الحياة الدنيا فلا يجعل منها طريقاً توصله إلى رضوان الله والجنة فيفني عمره في اللهو والعبث مهددٌ لم يذكر ما هدده به واكتفى بذكر (تعلمون) وأخفى معمولها، لتذهب النفس فيه كل مذهب، يبين جهلهم وغباءهم على طريقته، وسيقدم لنا أمثلة من غبائهم (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ) يعطون رزق الله لغير الله، الله يخلق ويعبدون غيره، ويرزق ويشكرون غيره، وقوله:(لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ) لما لا وجود له في الواقع، فإنه لا وجود لإله في الكون غير الله، لأنه لا خالق غيره، فيجعلون رزق الله لغيره، يكفي أن أوعدهم على كذبهم وافترائهم. فرية ثانية (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ*وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ*يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) كان العرب في جاهليتهم قليلي الأدب، لا يحبون البنات وإذا رزقهم الله بنتاً حزنوا أشد الحزن وكان أمامهم أحد خيارين: أن يبقيها خادماً يرعى غنمه وبقره في البرية، أو يدفنها حيةً في التراب، لكن قريشاً وما اتصل بها من العرب لم تكن تفعل ذلك، لأنها كانت تعيش في عز بيت الله وعز حرمه، وما رحلتا الشتاء والصيف إلا دليل واضح على احترام القبائل لأهل الحرم، أما القبائل الصغيرة في الأطراف فكانوا يفعلون ذلك، والجميع كانوا يعبدون الأصنام ويجعلون البنات لله، فالكثير من آلهتهم إناث، العزى ومناة وغيرهما، ويقولون إن الملائكة بنات الله، فخصوا أنفسهم بالجنس الأعلى وخصوا الله بالجنس الأدنى، ولو أنصفوا لجعلوا لله بناتاً وأولاداً لكان خيراً لهم، لكن الجهل والهوى والتعصب يوقع الإنسان في المهالك، فقد كانوا إذا ولدت لهم بنت غضبوا واعتزلوا الناس وامتلأت قلوبهم غيظا وتضايقوا كثيراً، مع أن البنت تفعل أفعالاً كثيرة تحبب أباها بها وتؤنسه، فلما ارتكبوا هذه المعصية ناسب أن يرد عليهم فقال:(لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ*وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) يجب أن يكون الإنسان معظماً لله يرعى جانبه، يرقب تصرفاته فلا يصدر منه إلا الأقوال الصالحة والأفعال الصالحة، تعظيماً لحق الله ورعايةً لجنابه، فمن لا يحترم الله يخزيه الله يوم القيامة لأنه الغالب الذي لا يغلب والحكيم الذي يضع الأمور في موضعها اللائق بها، ومع ذلك ففي البشر أناس يخطئون ويتجاوزون ويظلمون، فلو عاقب كل عاص بذنبه لأهلك الجميع، لكن اقتضت حكمته أن يؤخرهم إلى يوم القيامة، فحساب أولي في القبر عند أول منزل من منازل الآخرة وآخر منزل من منازل الدنيا، وعمر الإنسان محدد لكل إنسان عمر معيّن لا يتخطاه ولا يموت قبله، لازال يركز على احترام المرأة والعناية بها إذ كانت بحاجة إلى من يرفق بها، يقف بجانبها، يدافع عنها، وهم على النقيض من ذلك يسيؤون إليها ويحاولون تشويه صورتها أو ينسبونها إلى الله، ولا يتأخرون عن ادعاء أنهم شعب الله المختار وأنهم أول من يدخل الجنة شأن كثير من الناس في أيامنا هذه، ولو اكتفوا بأن لهم الجنة مع غيرهم لكان خيراً، ولكن لهم الجنة وحدهم، كيف تكون لهم الجنة وقد كذبوا الرسل وعبدوا الحجارة وحرّموا ما رزقهم الله افتراءً عليه، واتبعوا أهواءهم بالتشريع، لذلك كله ناسب أن يقول (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ) يقسم الله أنه أرسل إلى أمم قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الشيطان استطاع أن يزين لهم أعمال السوء فصار وليهم في الآخرة واستحقوا العذاب الأليم (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم لقد أنزلت عليك الكتاب لتشرحه للناس، تبين لهم مسائله وتشرح لهم أحكامه وتوضح الأمور غير الواضحة التي اختلفوا في تفسيرها حتى تبين لهم الحق الذي لا لبس فيه ولا غموض، وخارطة طريق تبين للناس الطريق الأمثل الذي يوصلهم إلى رضوان الله، والقرآن سبب رحمة للخلق الذين يؤمنون أنه كلام الله، فمن قرأ القرآن أعطي بكل حرف عشر حسنات وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم (الم) ثلاثة حروف بثلاثين حسنة، فهل من يستجيب لهذا؟! (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، من هنا كان الخلاف في البعث الجسماني بين منكر ومثبت، موجباً بحصوله وتحققه، عندها تدحض حجة المنكر ويتبين كذبه ويسعد الناس بطاعة الله ويأنسوا بالعيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنة الخلد، فهل من مشمر يساعد إلى طاعة الله ويقبل على كتاب الله، يغترف من علمه، فاللهم وفقنا وأعنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة