الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

عجبٌ مما ليس بعجيب  
سورة يونس   الآيات 1 - 24


لما ذكر أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في آخر سورة التوبة وكان من أهمها أنه من أنفُس القوم ومن أنفَسِهم، يعلم حالهم ويسعى إلى ما فيه صلاحهم، وذكر ما عانى من المنافقين وأشباههم، وصبره عليهم وحبه لهم وحرصه على هدايتهم، ناسب أن يبدأ السورة التالية بنموذجٍ آخر من الناس كانوا قبل هؤلاء، لكنّ أعمالهم وأقوالهم تتشابه فكأنه يقص على النبي ما يواسيه ويشد من أزره ويقوي معنوياته فقال:(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) استفتح البيان بالحروف المقطعة، وقد قدمت قبل أنها واردة بالتحدي والإعجاز فكأنه يقول لهم:"أيها العرب هذا القرآن من جنس كلامكم، فإن كان ما تدعون حق فعارضوه لأن محمداً صلى الله عليه وسلم كأحدكم في البشرية"، ثم أشار إلى القرآن باسم الإشارة للبعيد لعلو مكانته وقوة حجته وسلامة نظمه عن العبث واللهو والخطأ، والمقصود بالآيات الواجب اتباعها المكتوبة في المصاحف وفي اللوح المحفوظ، والعرب تسلّم أن كل مكتوبٍ يجب اتباعه، ووصف الكتاب بالحكمة لسلامته من العيب والنقض والتشكيك، واضحٌ في معناه ومبناه، ثم بدأ الكلام بالرد على المنكرين فقال:(أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ) الهمزة للإستفهام، وهو استفهام إنكاري لأنه سيرد بالأدلة المفحمة، هل من العجيب أن يوحي الله إلى رجل من القوم يأمره أن يخوف العصاة المتمردين ليردعهم عن باطلهم ويعيدهم إلى الجادة، يصوّب مسارهم ويحسّن أخلاقهم ويبشّر الذين آمنوا بقبول إيمانهم وثبات حجتهم عند الله، فبدل أن يؤمنوا به ويصدّقوه وينصروه شككوا فيه ليصرفوا الناس عنه واتهموه بالسحر ليصدوا عن دين الله، لم يرد عليهم لأن العيب فيهم فهم الذين وصفوه من قبل بالصدق والأمانة، وفجأة يعرّضون به، لذلك تركهم وانتقل إلى إثبات ألوهية الله بالأدلة القطعية والبراهين الحسيّة، وينتقل من ذلك إلى إثبات اليوم الآخر فيقيم الحجة عليهم ويلزمهم فقال:(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ*إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ) إن الذي أوجدكم من العدم ورباكم بالنعم خلق من هو أعظم منكم وأكبر جرماً، خلق السماوات والأرض، وكما خلقهن أطواراً خلق الإنسان كذلك، (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) هذا التركيب يدل على أن أعظم المخلوقات خاضعٌ لله وأن ملك الملوك سيطر على جميع الكون، فلم يمتنع عليه أعظم المخلوقات بل خضع له وفي هذا تعريض لبني آدم الذين يتكبرون عن قبول الحق، وقوله:(يدَبِّرُ الأَمْرَ) قرينةٌ دالة على أنه لم يرد ب"استوى" على العرش المعنى اللغوي، بل أراد نفي المشابهة وتنزيه الباري عن كل ما لا يليق به وعن مشابهة المخلوقين، لا يشفع أحدٌ بين يديه إلا بإذنه، فالشفاعة لا تكون إلا إذا رضي الله عن المشفوع فيه وأذن للشافع أن يشفع، ثم أشار إلى ذاته المقدسة باسم الإشارة للمعظم نفسه، ففي الآية التفات من الغيبة إلى الحضور، وقال أنه ربكم أي أوجدكم من العدم ورباكم بالنعم إلى أن بلغتم الكمال، وجاء بفعل الأمر مقروناً بالفاء الفصيحة التي تفصح عن شرط مقدّر كأنه قال:"إذا كان الله ربكم فاعبدوه"، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل مع الحب والتعظيم، ثم سألهم (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) الهمزة داخلةٌ على الفاء، والهمزة لا تدخل إلا على الأسماء أو الأفعال، فثمة فعل مقدّر بين الفاء والهمزة كأنه قال:"أتعلمون حق الله عليكم فلا تذكّرون ذلك وتؤدوا ما التزمتم به، فإن قصّرتم في هذه الدنيا فالحساب في الآخرة إليه لا إلى غيره مرجعكم جميعاً أي مجتمعين تقفون بين يديه تحاسبون على أعمالكم صغيرها وكبيرها ويشهد عليكم الملائكة وتشهد عليكم ألسنتكم وجلودكم وايديكم وارجلكم، وعد الله ذلك وعداً ثابتاً لا شك فيه، فشأن الله يبدأ الخلق ثم يعيده، يبدؤهم بالنعم ثم يحاسبهم على شكرها، يكلف الخلق ليبتليهم ليجزي الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات من عمارة الأرض وإصلاحها وإزالة ما فيها من فساد بسبب الناس فيثيب العامل، وأما الذين كفروا فأوعدهم بشراب من حميم وعذاب أليم بسبب الذي عملوه من تنكّر للنعمة وإعراض عن المنعم ومقابلة الإحسان بالجحود.
ثم أشار إلى بعض ما أنعم به على عباده مما ييسر لهم حياتهم على الأرض ويعينهم على أعمالهم فقال:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) جعل الشمس ضياءً بل وجعل في ذرات النهار ما يعكس الضوء فترى الضوء في النهار في كل مكان جهة الشمس وفي الجهة الأخرى، وجعل القمر نوراً ينير ظلام الليل جعل الله له منازل ينزلها يعلم الناس بواسطة ذلك عدد السنين والحساب فيضبط أعمالهم وعباداتهم ومعاملاتهم بالحساب، ثم قرر أنه ما خلق ذلك إلا بالحق وأنه يشرح الايات ويبين ما فيها من حكم وأحكام لقوم يعلمون فيعملون بمقتضى علمهم، ولما قرر ذلك جاء بدليل ثانٍ يربي المهابة في قلوب المؤمنين ويجعلهم يخضعون مقتنعين لله عز وجل فقال:(إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ) إختلاف الليل والنهار إذا طال أحدهما قصر الآخر، واختلاف المخلوقات في السماوات والأرض، منها الطائر ومنها السائر ومنها السابح في البحار والأنهار، كل مخلوق مزوّد بما يصلح حياته، وخص الإنسان بالعقل يحكِم تصرفاته ويعقله عن السفه والعبث، والتفكر بهذه الآيات يكسب الإنسان خضوعاً لله وطاعة والتزاماً بأمره ونهيه وهذا معنى يتقون، وحذف معمولها ليدل على أنهم يتقون ما يحبط هذا ويتقون الله ويتقون ما يفسد علاقاتهم معه ومع بعضهم البعض، ما أجمل القرآن حين يربي الناس على الإيمان والمراقبة واعتماد الذات في الطاعة لينتقل من ذلك إلى تهديد العصاة بشكل تنخلع له القلوب وترق المشاعر فيقول:(إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ*أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) بين أن الغافلين عن الله فلا يتقون حق تقاته لأنهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وغفلوا عن الحساب والثواب والعقاب فعاشوا في غفلة، تمضي الأيام فلا يفكرون في توبة ولا حساب ولا ثواب، أولئك يدخلون النار جزاءً وفاقاً لكسبهم الأعمال السيئة وغفلتهم عن الأعمال الصالحة، ولما ذكر الغافلين فحذّر من الغفلة ونهى عنها ورغّب في التوبة والعمل الصالح قال:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ*دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إن الإنسان اليقظ المراقب لله فيما يأتي ويذر، يعمل الأعمال الصالحة التي تنفعه أو تنفع غيره أو تدفع عنه أو تدفع عن غيره، ينير الله بصيرته ويصوّب مسيره ويرشّد عمله نتيجة تمسّكه بالإيمان وحرصه عليه إلى أن يبلغ به الجنة فيسعد بدخولها يحمد الله وينزهه عما لا يليق به ويدعو لإخوانه بالسلامة والسلام ويحمد الله على ما أولاه فيكون آخر كلامه الحمد لله رب العالمين.
إن الله يتصرف بحكمة ويضع الأمور في موضعها، ولو استجاب لطالبي العذاب أو طالبي الشر فعجلّ لهم الشر كما يستعجلون الخير لقضي إليهم أجلهم (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) وترك الذين لا يرجون لقاء الله في طغيانهم يعمهون، يسيرون على غير هدى عمياناً أو كالعميان لأن بصيرتهم كلّت ونفوسهم خبثت، وقد اقتضت الحكمة أن يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت.إن الإنسان إذا مسّه الضر يلجأ إلى الله في جميع أحواله، تأمل معي قوله:(وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) مسكينٌ هذا الإنسان ضعيف عاجز خاصةً إذا أصابته مصيبة يخاف معها الهلاك فيلجأ إلى الله في جميع أحواله، في نومه ويقظته، في قيامه وقعوده، يدعو الله يتضرع إليه أن يكشف عنه ضرَه، فإن استجاب الله له ورفع البلاء عنه مر كأن لم يدعو الله إلى ضرٍ مسّه، بعبارة أخرى نسي دعاءه وابتهاله، نسي إنعام الله وإنقاذه له، لأنه مسرف متبع هواه يحسب السراب ماءً (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، ثم يقسم الله لنبيه تأنيساً له ورفعاً من معنوياته فيقول:(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ*ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) جرت عادة الله أنه إذا أرسل رسولاً وطلب المرسل إليهم آيةً تدل على صدقه وحجةً تثبت رسالته، فأعطاهم إياها فلم يؤمنوا أخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر، لأنهم ظالمون أو لأنهم مجرمون، عملوا السيئات وعلى رأسها تكذيب الرسول التي دلت المعجزة على صدقه، وهكذا إنتقلت الحياة إليكم أيها العرب وها هو الرسول يدعوكم لتؤمنوا، فإن كنتم على قدر المسؤولية فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإنما أكرمكم بالرسالة ليرقب ما تعملون، أتستجيبون فتؤمنوا أو تكون الأخرى فتستحقوا العذاب، فحذاري حذاري أن تطلبوا معجزةً ثم لا تؤمنون بها، فمعنى ذلك أن يهلككم ويريح الأرض من شركم، فهل استجابوا؟!، الظاهر أن الناس هم الناس خاصةً إذا استحكم فيهم الهوى وأخذتهم الدنيا، انظر إليهم حين تتلى عليهم آيات الله ماذا يقولون (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) قوة بيان القرآن ووضوح آياته يجعل الإنسان يأنس به ويرغب في اتباعه ليفوز يوم القيامة، أما الذين لا يؤمنون بيوم القيامة فيتطاولون على النبي قائلين: "ائتِ بقرآن غير هذا"، ما الفرق بين هذا وهذا؟!، ولماذا يا هذا؟!، أو يطلبون أن يبدله، شيء جديد غير الذي قاله كأنه يتصرف من تلقاء نفسه، لذلك تراه يقول:"ماصح ولا استقام لي أن أبدله من تلقاء نفسي، أنا لا اتبع إلا ما يوحى إليّ لأني أخاف إن عصيت الله أن يعذبني يوم القيامة عذاباً لا أطيقه ولا أتحمله فكيف أعصيه!!"، ثم أتاهم بحجة واضحة لا يستطيعون إنكارها فقال:(قُل لَّوْ شَاء اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) لبث النبي صلى الله عليه وسلم في قومه أربعين سنةً كاملة لا يتكلم بالدين ولا ينكر عليهم شيئاً من أعمالهم، إذا رأى ما يكرهه اعتزل الناس في غار حراء يفكر كيف يغيّر عاداتهم ويصلح أحوالهم ويزيل جهلهم ويقوّم سلوكهم، أربعون سنةً ثم جاء الدين ولو لم يرسله الله إليهم لما تكلم، لكن أرسله وشاء له أن يبلّغ فبلّغ، لذلك يدعوهم وهم العالمون بحياته وتفاصيلها قبل البعثة عن طريق الإستفهام الإنكاري (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) أتقولون لي ما تقولون أفلا تعقلون؟!، وجاءت الآية الثانية لتبين أن لا أحد أشد ظلماً من الذي افترى على الله أي نسب كلام نفسه إلى الله أو قال أوحي إليه ولم يوحى إليه شيء أو كذّب بآياته المتلوة والمرئية وأوعده بالخسران الدائم فقال:(إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ).
تعجب العرب من البعث والأولى أن يتعجب منهم، تركوا الغني القوي المعطي المانع وعبدوا ما لا يضرهم ولا ينفعهم، واختلقوا الكذب فقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ) ورد عليهم رداً مفحماً بعبارة واضحة مشرفاً نبيه بالخطاب معرضاً عنهم لأنهم غير محترمين، قل أتخبرون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وختم الآية بتنزيه الله وتبعيده ورفع شأنه عما يشركون به لأن ما اتخذوهم الهة ليس لهم من صفات الألوهية شيء، بل هنّ أبعد ما يكون عن ذلك، ما أغبى الإنسان وما أقل فطنته، يتعجب مما ليس بعجيب ويظنه عجيباً وهو حق ثابت، والأولى أن يُتعجب من عمله، يتعجب والعجب فيه.
أهبط الله آدم وزوجه من الجنة إلى الأرض، وأنزل عليه ما يحتاج إليه من معرفة الأحكام والحلال والحرام، وانتشر أولاده في الأرض فكانوا على ملة التوحيد إلى أن جاء نوح عليه السلام وكثر الناس فاختلفوا (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) قضت حكمة الله أن يمهل المختلفين حتى يعودوا إلى الجادة، وكتب في اللوح المحفوظ أنه لا يُهلك العالم إلاّ بأسباب معينة ليس منها اختلافهم، لكن لما اختلفوا في العقيدة أرسل إليهم نوحاً بالتوحيد، فلما عارضوه وأصروا على كفرهم أغرقهم الله بالطوفان بعد معاناة نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً، وسبب اختلاف الناس تحكم الهوى فيهم والجهل، أشار إلى ذلك قوله:(وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) إن المعجزات يؤيد الله بها الأنبياء، لكنها ليست تأتي بطلبٍ من الناس بل بإذن الله، لذلك قال لهم نزول المعجزة وعدم نزولها غيب، والغيب لله فانتظروا وأنا معكم سأنتظر، لأن الناس يجب عليهم الإنقياد لشرع الله والإذعان لحكمه، ولكن الناس يكثرون الشكوى فلو أجابهم إلى طلبهم ابتكروا طلباً آخر، (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) إذا أصابتهم النعمة ثمارٌ طيبة وماء غزير وأشجار مثمرة من بعد قحط وعطش وشدة، إذا هم ينسون الله ويحتالون على شرعه، لذلك بيّن لهم أن رسله الموكلين بالبشر يكتبون على الناس عملهم ليحَاسبوا به يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ثم ساق القصة ليبيّن لهم عظيم قدرته وعلمه وسعة حكمته وحلمه على البشر فقال:(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ*فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) مسكينٌ هذا الإنسان يرى النعمة فلا يشكرها بل يغفل عن المنعم، كانت السفن تسير على الهواء ينشرون أشرعتها فيحركها إلى الوجهة التي يريدون، فيطيب لهم ذلك ويسعدون مهما كانت الريح طيبةً، ولكنهم لا يحمدون الله ولا يسألونه دوام النعمة، ومعلوم أن الجو متقلّب، فمن ريح طيبةٍ إلى ريح عاصف تحرك السفينة بشدة وقوة وتحرك أمواج البحر فيضطرب عليهم فإذا أيقنوا بالهلاك اتجهوا إلى الله طالبين غوثه، مخلصين له الدين يسألونه وينذرون له ويشترطون على أنفسهم أن يكونوا من الشاكرين ما داموا في البحر خائفين، فلما انجاهم ورفع البلاء عنهم وهدأ موج البحر فوصلوا إلى الشاطئ بسلام، إذا هم يبغون على عباد الله يسيئون إليهم، يفسدون البلاد ويظلمون العباد، وقد اقتضت حكمة الله أن يجزي الإنسان بعمله فمن يزرع الخير يحصده ومن يزرع الشوك يحصده، لذلك أعلمهم أن عاقبة بغيهم تعود على أنفسهم، وأنهم بشرهم يتمتعون لحظات في هذه الحياة الدنيا ثم يعودون إلى الله فيحاسبهم على أعمالهم ويخبرهم بما كانوا يعملون ليعاقبهم على أعمالهم السيئة، ولما كان ذلك فيه نوع خفاء وبالمثال يتضح المقال، ضرب لهم مثل الحياة الدنيا بالماء ينزل على التراب فيخرج الزهر مختلف الألوان ويختلط النبات في الأرض وفجأةً ينقضي كل شيء، نذكر الاية أولا ثم نشير إلى المثل وما فيه من لطف (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) تكون الأرض ميتة جرداء فينزل عليها الماء فتنبت أشكالاً مختلفة من النبات، صدّر الاية ب"إنما" للحصر وذكر من أنواع النبات المختلفة قسم يأكله الناس وآخر يأكله الأنعام ونبات يزين الأرض ويجملها، حتى إذا وصلت إلى الغاية في الجمال وأيقن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمر الله في ساعة غفلة ليلاً والناس نيام أو نهاراً والناس يلعبون فجعلها حصيداً كأن لم يكن نباتٌ بالأمس ولا ثمار، هكذا الإنسان يعيش في قوة يظلم هذا ويقتل هذا ويضرب هذا ويخرب بيت هذا وفجأةً يموت، كما قال مرة:(فإذا هم خامدون) وإذا مات فلا يرجع إلى الدنيا ولكن يحاسب عن أعماله، النبات إذا مات انتهى أمره لكن الإنسان لا بد له من حساب وثواب أو عقاب، فاعتبر أيها الإنسان بما ترى وتشاهد ولا تغرنك الحياة الدنيا ولا يغرنك بالله الشيطان فيزين لك معصية الله، ولا يغرنك الهوى فيطغيك فإن الحياة مهما طالت آيلة إلى الزوال والحساب يوم القيامة، فاعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً وحاسب نفسك قبل أن تحاسب ولا تعجب مما ليس بعجيب، فالله قادر على كل شيء مطلع على كل عمل محاسب على النقير والقطمير، فاللهم نور أبصارنا بنور كتابك وسنة نبيك ووفقنا للعمل الصالح فلا نذل ولا نخزى.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة