الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أللأب دور في جمع الإخوة  
سورة يوسف   الآيات 1 - 35


إن القارئ للقرآن يجد أن القصة الوحيدة التي ذكرها القرآن مجموعة في موضع واحد هي قصة يوسف ابن يعقوب، ما ذاك إلا لأنها تشبه إلى حد كبير قصة محمد في قومه، فيوسف كان محبوباً من أبيه ومحمد من جده، يوسف تربى في عز أبيه فآثره على إخوته، ومحمد في عز جده آثره على جميع أولاده ورعاه إلى أن مات، ومحمد عانى من قومه ويوسف عانى من إخوته وعاقبة النبيين كانت محمودةً لأن ما قاله محمد لقومه عام الفتح يشبه إلى حدٍ كبير ما قاله يوسف لإخوته حين عرفوه وتعرفوا عليه، ولأترك للقصة أن تحدث عن نفسها فهي خير شاهد وخير من يتكلم، استفتح البيان بالحروف المقطّعة على غرار السورتين قبلها وهذا في السور المكية كثير، ثم أشار إلى آيات الكتاب باسم الإشارة للبعيد فقال:(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) فالكتاب واجب الإتباع لأنه مكتوب، ووصفه بالمبين أي البيّن الواضح يعرب عن مكنونه بيسر وسهولة، قريب التناول، سهل الفهم، واضح المعاني، يأخذ الإنسان منه بقدر ما عنده كما قال النبي:"لا يشبع منه العلماء" وكما قال عز وجل:(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر)، ثم قال:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) النبي الموحى إليه عربي مرسل إلى أمة عربية بلسان عربي مبين، لذلك امتن الله بأنه هو أنزله بواسطة الملك، كلاماً مقروءً بلغة العرب لأنه إلى العرب حتى يتعقله العرب ويقرؤنه رجاء أن يعقلوا، وقد اقتضت الحكمة أن يكون لسان القوم ونبيهم لساناً واحداً (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) قدّم للقصة بضمير المفرد المعظم نفسه وأخبر أنه يقص على محمد صلى الله عليه وسلم أحسن القصص، قصص الصالحين ليقتدي بهم الناس فيسيرون سيرهم ويتخلّقون بأخلاقهم، والمناسبة أنه أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم الكلام المقروء الذي علمّه التوحيد والشرع فأخرج به الناس من ظلمات الجهل والكفر والضلال والهوى، في وقت لم يخطر على قلب النبي ولو للحظة ولا فكّر أن يكون مرشداً للناس أو نبي آخر الزمان، وقوله:(لَمِنَ الْغَافِلِينَ) علة إنزال القرآن، فالقرآن ينبه الغافل ويوقظ النائم ويعلّم الجاهل ويأخذ بيد الإنسان إلى ما فيه صلاحه في عاجل أمره وآجله، وتبدأ القصة حين يرى يوسف مناماً غريباً عجيباً أدهشه فقصّه على والده ففهم منه أشياء دعته إلى تحذير ابنه وتخويفه من أن يقصه على اخوته أو غيرهم فيكون ذلك سبباً لإلحاق الضرر به، ولإن أخطأ أبو يوسف في تشكيك الأخ بإخوته فإنه أراد من ابنه أن لا يقص الرؤيا على أحد ولو أقرب الناس إليه وأحناهم عليه وهم إخوته (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ*قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) يُفهم من الرؤيا أنه سيكون ليوسف شأن ما في مستقبل الأيام، فربما كان عظيماً من العظماء أو نبياً من الأنبياء، وتفسيرها أنه رأى إخوته الأحد عشر وأمه وأباه له ساجدين، والمراد بالسجود إنحناء تحية لا السجود بمعنى العبادة والخضوع؛ لأن ذلك لله عز وجل، إذ كانت عادة القوم إذا قابلوا عظيماً أو استقبلوه إنحنوا له إعزازا لقدره وتعظيماً لشأنه، وأن يفعل ذلك إخوته وأبواه دليل على علو مكانته في المجتمع، وكثيراً ما يكون ذوو المناصب العالية والمكانة المرموقة يحيون بهذه الطريقة ويكرههم العامة والفقراء وربما كرههم أقرباؤهم على عادة لماذا هو لا أنا، لذلك أمر الأب ابنه أن لا يقص الرؤيا على إخوته فضلاً عن غيرهم، وعلل الأمر بأن يدبروا لك مصيبةً يزينها الشيطان لهم فيستحسنونها بدافع العصبية أو الأنانية أو حب الذات، ولم ينس يعقوب أبناءه فقال:(وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فمثلما خصك بهذه الرؤيا الصالحة التي فيها بشارة برفعة شأنك وعلو قدرك، يختارك ويعلمك من تفسير الأحلام ويتم نعمته عليك فيحقق لك ما أشارت به الرؤيا ويتفضل على أخوتك المشار إليهم بآل يعقوب كما أتم النعمة على جديك من قبل، لأن ربك عليم بما يصلح الناس حكيم بما يحقق المصلحة لهم، وهنا بدأ حب يعقوب ليوسف يزداد وحرصه عليه يشتد وخوفه أن يصيبه مكروه جعله يبقي على يوسف وأخيه في بيته لا يسمح لهما بالخروج، ما جعل الإخوة يكرهون يوسف وأخيه ويحقدون عليهما بل زاد كرههم إلى حد أن فكروا بعمل لا ينبغي لأخ أن يعمله بأخيه (لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ*إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ*اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) يعجّب القرآن القارئ له من أمر عجيب، أخوة يوسف أحسوا بميل أبيهم إلى يوسف وإعراضه عنهم، حين تآمروا ليتخلصوا منه فيعود إلى البيت صفاؤه ويعود إليهم عطف الأب وحنوه، وبرروا عملهم هذا بأن أباهم مال إلى يوسف وأخيه وتركهم وهم الأكثرية، وحكموا عليه أنه في ضلال واضح لأن العدل بين الأبناء واجب على الآباء، فإذا مال الأب إلى بعض أولاده حقد الأخوة الباقون عليه وكرهوه، وإنما أورد القرآن هذا ليعلم الآباء أن يعاملوا أبناءهم بالعدل والمساواة وأن لا يفضلوا أحدهم على غيره واحداً أو أكثر، وبلغ من حقدهم على يوسف وأخيه أن فكروا بقتل يوسف عن سابق تصور وتصميم ثم يتوبون بعد ذلك إلى الله وتحسن توبتهم، وهذه طريقة في التعامل مع الناس لا يقرها العقل ولا يسمح بها الدين، فحقوق العباد مبنية على التشاح فلا يغفر الله لمن أساء إلى أخيه حتى يعفو صاحب الحق، هنا تحركت عاطفة أحد الإخوة وانبرى للدفاع عن أخيه لينقذه من القتل أولاً ثم يعيده إلى أبيه سالماً (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) فاقترح عليهم أن لا يقتلوا يوسف لأن القتل في شريعتهم حرام، وأوهمهم أنه معهم فاقترح أن يلقى في الجب، ويبدو أنه كان ينوي إخراجه من الجب وإعادته إلى أبيه دون علم إخوته، وإنما أتقن دوره فأقنع إخوته أنهم إن وضعوه في الجب التقطه بعض المسافرين فأخذوه بعيداً عنهم وعن أبيه، فوافقوه في الظاهر كل يفكر على طريقته في حيلة يأخذ بها يوسف بعيداً عن أبيه لينفّذوا ما عزموا عليه (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ*أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) إن الإنسان إذا فسدت سريرته دل كلامه عليها، أظهروا الحب لأخيهم والشفقة عليه مكراً ليغدروا فيه وقالوا كلاماً جميلاً، لماذا لا ترسل معنا أخانا فنحن نحبه ونحرص عليه ونرعاه، أرسله معنا في التالي يعيش مع الطبيعة يتمتع بالهواء النظيف والطقس الجميل وتعهدوا بحفظهم له ورعايتهم لشأنه في غيابه عن أبيه مثلما يفعل أبوه تماماً، هنا تذكّر الأب ما كان منهم أولاً وأوجس منهم خيفة فقال:(قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ*قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ) ذكّرهم أبوهم بحبه له وعطفه عليه ما أوغر صدورهم على يوسف فزادهم تصميماً على التخلص منه، وانظر إلى تعبير القرآن كيف بيّن حال الأب إذا بعد إبنه عنه، يصيبه الحزن عليه ويخاف أن يأكله الذئب، ما ذاك إلا لأن أبناءه غير مؤتمنين على أخيهم، وإنما الذئب مثل بدليل نسبهم إلى الغفلة عنه وقولهم لأبيهم (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ) يخفي مكراً ويضمر غدراً لأنهم أخبروا أنه إن حصل ذلك فهم خاسرون، وأكدوا الجملة بمؤكدين "إنّ" و"اللام" والجملة الإسمية، وهذا يدل على أنهم ينوون شيئاً لم يصرحوا به، وإنما اكتفوا بأنهم خاسرون، ذهب الإخوة بيوسف بحجة أن ينشطوه ويفرجوا كربه، واتفقوا على وضعه في البئر وأوحى الله إليه مرجع الضمير يجوز أن يكون ليعقوب وهو الأقرب ويجوز أن يكون ليوسف وهو أبعد لأن يوسف كان صغيراً لم ينبأ بعد ولم يذكر في من نبيء صغيراً (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) أغلب الظن أن يعقوب علم ما فعل أولاده لكنه لم يصرّح ولا أعلن ذلك إلا آخر القصة حين أخبرهم على ما يأتي في محله، لكنّ الإخوة بقوا في غفلتهم ساهون، وفي المساء ذبحوا عجلاً أو شاةً وأكلوا لحمها ولطخوا قميص يوسف بدمها وحملوا القميص وعادوا إلى أبيهم في وقت العشاء حزانى يبكون (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ*قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ*وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) رجعوا إلى أبيهم آخر النهار يبكون حزناً على أخيهم زاعمين أن الذئب أكله في غفلة منهم، واستدلوا على ذلك بالقميص الذي عليه الدم، نظر يعقوب إلى القميص فرآه سليماً فأيقن أن ابنه سليم، وكما قيل: "يكاد المريب يقول خذوني"، قدموا إلى أبيهم القميص سليماً فاستدل بسلامة القميص على سلامة ابنه، سبحان الله ما أحلم هذا الذئب!! اشلح قميصك فإني أريد أن آكلك، فإذا شلح قميصه كيف أصاب القميص الدم، وإذا أكله في قميصه كيف لم يقطّع القميص!! مسألة محيّرة، من هنا قال القرآن (وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) أي ظاهر أنه وضع في غفلة الزمن، احتسب عند الله وصبر على البلاء موقناً أن ابنه في خير حال لم يصبه مكروه متأكداً من ذلك بأمرين: الوحي الإلهي له وسلامة القميص، واكتفى بتأنيبهم وتفويض الأمر إلى الله، وفي الصباح عاد الأخوة إلى الجب يراقبون ما يحصل (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) مرّت قافلة تريد أن تستقي من البئر، فما إن رأى يوسف الدلو حتى جلس فيه، فسحبه الوارد (قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ) وأخفوه حتى لا يأخذه أحد منهم وقالوا نبيعه في مصر أو في أي مكان بعيد عن قومه، لكن يشكل على هذا قوله:(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) الضمير في (شروه) ليوسف قولاً واحداً، (بِثَمَنٍ بَخْسٍ) أي مال حرام لأن الحر لا يقع تحت اليد، وقد أوعد النبي من باع حراً وأكل ثمنه، لكن ممن شروه؟! لأن شرى تستعمل في البيع والشراء والأقرب أن السيارة باعوه في مصر ويؤيده السياق، والإسرائيليات تقول إن الإخوة لما رأوا يوسف في يد السيارة جاءوا إليهم وقالوا:"هذا عبد لنا آبق نبيعكم إياه" والله أعلم بالصواب، لكني أميل إلى أن شرى بمعنى باع، والمال الذي أخذوه من عزيز مصر مال حرام وقليل لأنهم كانوا يحبون أن يتخلصوا منه، ويشعر بهذا (وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) وصل يوسف إلى مصر واشتراه عزيزها وكان رجلاً كريما فاضلا نبيلاً يتمنى أن يكون له ولد جميل وكان يوسف من أجمل خلق الله، فعطف عليه وأمر زوجته بالإحسان إليه (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) أمر العزيز بإكرام هذا الولد والإهتمام بشأنه وتهيئة المكان المناسب له وتربيته تربية صالحة على أمل أن يرعاه إذا كبر وعجز إذ لم يكن لديه أولاد، وهنا نرى الحكمة الإلهية والعدل الإلهي، فحين أبعد يوسف عن حضن أبيه هيأ الله له من يحضنه وجعل له مكانةً ومكاناً في الأرض، ما ذاك إلا ليؤهله وينشأه تنشئة صالحة، يعلمه تفسير المنامات وقرر أن الله إذا أراد شيئاً أمضاه، وإنما قال ذلك ليعلمنا التخطيط ودراسة الجدوى والسعي في تحقيق ما نصبو إليه ونأمله، ولكن أكثر الناس في جهل مطبق وعمى عن إبصار الحقيقة، (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) علمه الله ما يحتاج إليه لإصلاح حاضره ومستقبله، شاب نشأ في طاعة الله مع امرأة زوجها كبير في السن عاجز عن إعطائها ما تريد، وهذا شاب قوي نشط قادر على تلبية رغباتها أحسن ما تكون التلبية، فماذا كان من أمره وأمرها؟. حذّر الإسلام من خلوةٍ بين الرجل والمرأة وأمر أن لا يكون ذلك إلا مع ذي رحمٍ محرم، لأن الشاب إذا خلا بالمرأة ربما تتحرك العاطفة ويقع ما لا تحمد عقباه، فإن أجابها لحقه العار وإن خالفها ربما اتهمته، وهذه القصة درس عملي بحاجة إلى تدبرها وفهمها حق الفهم، خرج زوج المرأة وبقيت هي والشاب فاستعدت لعمل ما ودعته إلى نفسها، والإنسان يمتنع عن الفاحشة بوجود مانع طبيعي أن تكون المرأة رافضة فأزالت هذا المانع، وأن يكون في مكان غير مناسب وأزالت هذا أيضاً في بيتهها وتحت سلطانها، أو خوف أن يراه أحد وغلقت الأبواب فلا يدخل أحد ولا يخرج أحد، ودعته إلى نفسها (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) امتنع عن إجابة طلبها مع أنه كان كامل الرجولة قادراً من الناحية البشرية على ذلك، لم يمنعه شيء من الموانع المادية لكن الخوف من الله ومراقبته له، تجلى ذلك في قوله:(مَعَاذَ اللَّهِ) وعلل ذلك بأن الله ربه أحسن إليه في بيت أبيه أولاً وفي بيت العزيز ثانياً، أتكون الإساءة إلى زوجه جزاء الإحسان إليه!! إنه الظلم بأوضح صوره، وما كان الظالم لينال مطلوبه ما دام ظالماً، ماذا يصنع؟ أيضربها ليؤدبها؟ وكيف يضرب زوجة من أحسن إليه!! ماذا يفعل؟ (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) ما هو هذا البرهان؟ يقال إنها قبل أن تدعوه إلى الفاحشة غطت وجه إلاهها الذي كان في البيت فتذكر إلاهه، لذلك فكّر في الهروب، وقيل إن برهانه أنه رأى أباه يعقوب في سقف الغرفة يشير له لا تفعل، وعندي أن الله عصم يوسف فلم يفكر بالفاحشة لأن نفسه طاهرة، وإن كان من الناحية الطبيعية كامل الرجولة ولم يفكر أن يؤذي المرأة لأنها أمانة عنده وسيده أحسن إليه فلا يسيء إلى امرأته، والأنبياء غالباً ما يكونون ذوي نفوس طاهرة تأنف الفاحشة وتنفر عنها ولا تفكر فيها، وهذا ما عبّر عنه القرآن بقوله:(كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وكان قدّم للقصة فوصفه بأنه من المحسنين، فالمحسن يراقب الله، والمخلص مقرب من الله لا يتصور منه عصيانه، فسياق الآيات وسباقها يشهد ليوسف أنه كان بريئاً، ويرد على من اتهمه بأنه فكر في الفاحشة، لم يكن أمامه إلا طريق واحد الهرب (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فلما وصل إلى الباب فوجئ بسيده داخلاً البيت فانقلبت المرأة رأساً على عقب، وبعد أن كانت داعيةً إلى الفاحشة تبرأت منها واتهمته بها، وحددت الجزاء لا تريد له الموت لأنها طمعت في تحقيق رغبتها ولو بعد حين، (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي) من يسمع له؟ من يلتفت اليه؟ ما الدليل على ذلك؟ لا أحد في البيت إلا هي وهو، ويقال ولد صغير، ومهما يكن فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، والبريء لابد من أن يجد من يشهد ببراءته شهادةً عقلية أو حسية أو بينة، كان في البيت طفل صغير فقال:(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ*وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ) إذا صدق قولها وأنه هو الذي بدأها بالطلب وهي دفعته لابد أن يتقطع قميصه من الأمام لأنه مقبل عليها وهي مانعة له، وإن كان معرضاً عنها هارباً منها يتقطع قميصه من الوراء لأنها تجذبه إليها فيتقطع القميص، وكان الشاهد ذكياً فبدأ بالإحتمال الثاني حتى لا يُتهم أنه ناصرٌ ليوسف، ونظير هذه الآية ما جاء عن مؤمن آل فرعون الذي دافع عن موسى فقال إن كان قميصه قطع من الأمام فصدقت وإن قطع من الخلف فكذبت وهو من الصادقين (فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) عرف العزيز أن يوسف صادق وأن امرأته تكذب ولأنه كان يحبها أراد أن يطمس معالم الجريمة ويستر عليها ولا يفضح نفسه وأهله، ثم وجّه الكلام إلى يوسف فقال:(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) كُف عن هذا الحديث وانس ما كان، وقال للمرأة استغفري ربك لأنك كنت من الخاطئين، والخاطئ من يتعمد الخطأ ويفعله باختياره بخلاف المخطئ الذي يقع منه الخطأ دون قصد. حدث شيء عظيم في بيت كبير من كبراء مصر أيخفى عن العامة، انتشر الخبر وذاع صيت المرأة، لم ينكروا عليها العمل ولكن أنكروا أن تكون تحب عبدها أو خادمها لأنهم لم يكونوا يعرفون جمال يوسف ولو عرفوا ما تكلموا، سجل القرآن مقولة النسوة (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) وصل الخبر إلى المرأة وكانت مرأةً ماكرة، دعت النساء إلى بيتها وقدمت لهن شيئاً يحتاج إلى تقطيع وأعطت كل واحدة منهن سكيناً، لم يذكر القرآن ما هو ولكن ربما كان فاكهة أو غير ذلك، ثم دعت يوسف فلما رأى النسوة يوسف (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) عظمن يوسف وقلن بكل وضوح جمال خارق لا بد أن يكون هذا ملكاً كريماً لا بشراً من البشر، ونظرن إليه باستغراب فذهلن عما في أيديهن وبدل أن يقطعن الفاكهة جرحن أيديهن، فعذروا المرأة في حبها له ودعوته إليها ولعلهن تمنين ما تمنت ورغبن فيما رغبت، ما دعاها إلى التصريح (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) اعترفت المرأة ببراءة يوسف مما اتهمته به مغترةً بإعجاب النساء ليوسف، واقسمت بالله لإن لم يفعل ما تأمره به من تحقيق رغبتها فيه ليسجنن، أكدت الفعل بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة، والفعل الآخر بلام القسم ونون التوكيد الخفيفة، ماذا يفعل المسكين؟ كانت واحدة فصرن عدداً، كانت معصية فصارت معاصي، ماذا يصنع؟ كان يمكنه أن يدعو الله أن ينجيه منها بما شاء وكيف شاء كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ذهب إلى الطائف ودعا اهلها إلى الإيمان وردوا عليه بما ردوا به ودعا دعاءه المشهور وفيه "غير أن عافيتك أوسع لي" لم يطلب شيئاً محدداً من الله كل ما طلبه أن يكفيه الله ما أهمه، لكن يوسف طلب السجن لينجو من النساء، لا أدري لعله أراد أن يهرب من المعاصي أو لعله لم يتصور طريقاً يتخلص به من المرأة ورفيقاتها غير السجن (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) تمنى السجن على أنه سيسعى للتخلص منه عند أول فرصة، لم يدر ما يعاني السجين من وحشة وغربة وضيق حتى ذاق السجن، وسيسعى عند أول فرصة للخروج فهل يخرج؟ (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ) بإدخاله السجن (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) السميع لدعائه العليم بأحواله، حقق له ما طلب وكنت أفضل أن يعمم لعله كان خيراً له، ومهما يكن فلا أريد تغيير القصة القرآنية ولكني استلهم منها العبر، حادث كهذا في بيت العزيز يقلق المسؤول ولا ذنب يستوجب العقوبة فكيف يصنع العزيز لينسي الناس هذه الحادثة وتعود الأمور إلى سابق عهدها، إنه السجن خير مكان يوضع فيه البريء حمايةً للظالم وستراً لظلمه (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) فماذا كان في أمره في السجن وكيف حاول أن يخرج منه بعد أن طلبه، مرحلة من عمر يوسف تشبه ما عاناه النبي صلى الله عليه وسلم في شعب أبي طالب، ولإن لبث يوسف في السجن بضع سنين فإن محمداً صلى الله عليه وسلم وبنو هاشم وبنو المطلب لبثوا في شعب أبي طالب ثلاث سنوات لا تبيعه قريش شيئاً ولا تبتاع منهم لا يزوجونهم ولا يتزوجون منهم، إنه سجن كبير خرج به النبي صلى الله عليه وسلم ظافراً منتصراً، وخرج منه يوسف بريئاً طاهراً لا ذنب عليه، وسأفصل ذلك بعد، فاللهم وفق وسدد.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة