الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

من هم الذين لا يؤمنون؟ 
سورة يونس   الآيات 94 - 109


كان النبي صلى الله عليه وسلم أمياً لا يقرأ ولا يكتب وربما شك شاكٌ في أخباره، فوضع القرآن المنهج الحق لرد الشبهات وإلجام الخصم ودحض حجته، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ*وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) صدّر الكلام ب"إن" التي تفيد الشك، وهذا أوضح دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك ولو للحظة في ما أنزل الله إليه، ولكن الآية واردة على سبيل الفرض لإبطاله، فلربما تنطّح جاهلٌ فشكك في القرآن فدافع القرآن عن نفسه بحجتين: أما الأولى فأمره أن يسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبله، لكن يشكل على هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا حدثكم بنو إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم"، وإنما السؤال لإلزام اليهود بأن ما يخبر به محمد صلى الله عليه وسلم حق وصدق، لذلك أكمل الاية بقوله:(لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ...) فأكد ذلك بمؤكدين "اللام" الواقعة في جواب القسم المقدّر، وعزّة الله لقد جاءك الحق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا شك فيه ووصفه أنه من ربك وعطف عليه جملةً ثانية استخدم فيها الفاء الفصيحة، والجملة المصدّرة ب"لا" الناهية، ينهاه أن يكون ممن يشك في خبر الله، فعليه أن يسلّم لله ويستسلم لأمره، ونهيٌ ثانٍ معلل مبرر (لاَ تَكُونَنَّ) (فتكون من الخاسرين)، هكذا أكد الله لرسوله أنه أخبره الخبر اليقين معاينةً أو كالمعاينة بالنسبة إليه لا شك فيه ولا ريب، وحذّره من الشك ونفّره عنه، كل ذلك يدل على أن كلام الله حق، وما حكم الله به محقق الوقوع (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ*وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) ثبت عليهم أنهم من أصحاب النار لا يؤمنون لأن الله حكم بذلك عن علم خلاصته أنه سيرسل إليهم رسلاً يقدمون لهم الدليل تلو الدليل، فلا يؤمنون حتى يدركهم الموت وهم على هذه الحال فيدخلوا النار، أما من سبق في علم الله أنه يؤمن فسيؤمن حتماً قبل أن يموت، قال عليه الصلاة والسلام:"إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه القلم فيعمل بعمل أهل الجنة فيكون من أهلها"، ما ذاك إلاّ لأنه آمن قبل أن يموت، وهذا ما كان من قوم يونس، فيونس عليه السلام جاء قومه فدعاهم إلى الإيمان وأقام لهم الأدلة وحاول نصحهم فلم يؤمنوا، تضايق منهم وحزن عليهم ثم غضب منهم وتركهم، وعندما غاب من بينهم بحثوا عنه فلم يجدوه، تذكروا قول يونس إذا أراد الله إهلاك قومٍ أخرج نبيهم من بينهم، فلما لم يجدوه ظنوا أن الله أخرجه فما كان منهم إلاّ أن تابوا وآمنوا بدعوته وأقلعوا عن شركهم فتاب الله عليهم، وتاب على يونس، ذلك أنه لما خرج من عندهم ركب البحر فهاج واضطرب، فالقى الركاب متاعهم يخففوا أحمال السفينة فلم يهدأ، وقرروا إلقاء بعض الركاب وعمدوا إلى القرعة، فخرج سهم يونس رغم أنفهم ورغم إرادتهم، أعادوا مرات كل مرة يخرج سهم يونس، فألقوه وكأن الحوت كان في إنتظاره، فما إن سقط في البحر حتى ابتلعه الحوت، تضايق من العيش مع قوم من جلدته فألزمه الله بالعيش في بطن الحوت في قعر البحر في جوف الليل، ضيق ما بعده ضيق ولو هضمه الحوت لصار في خبر كان، لكنّ الله حماه (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فاستجاب الله له وأمر الحوت فلفظه على الشاطئ في تفاصيل لما كان من أمره ذكرها في مواضع من كتابه، واكتفى هنا بالقول:(فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) هكذا نجى قوم يونس من عذاب الإستئصال وعاشوا حياة طيبة، فلما رجع إليهم يونس فرح بتوبتهم وسعد بالعيش معهم، وقد نجاهم الله ومتعهم الله إلى حين، ثم انتقلت الآيات لتبيّن للناس أنه يجب عليهم أن يعيشوا مع بعضهم كما هم لا يغيروا شخصياتهم ولا يغيروا القوم الذين يعيشون معهم، وأن لا مخلوق مكنه الله من السيطرة على مخلوق، فالله جل جلاله قادر على الزام الناس بالإيمان لكنه لم يفعل لأنه ليس لأحد من البشر أن يفعل، وصدق الله (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ). وما صح لنفسٍ أن تؤمن إلا بإذن الله لأنه المتصرف الوحيد في الكون فلا يتم شيء إلاّ بإذنه، أي بإرادته وقضائه (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) لأنه كشف النفوس وعلم ما هي عاملةٌ فيسّرها لما أرادت، وعلم النفوس الشريرة وأراد أن تخرج إلى الحياة تحيط بها النجاسة لأنها ألغت عقولها وعطلت ما أعطاها الله من آلات فلم تنتفع بهدى ولا أقبلت على مصلحة (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) لأن العقل يميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات، لذلك جعله وسيلة البحث والنظر وطريق التعلم وأرشد إلى ذلك فكلّف نبيه أن يقول للناس (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) أدلة واضحة وبراهين قاطعة لمن أعمل عقله فيما يرى ويسمع، فدعاه ذلك إلى الإيمان فما باله لا يؤمن ماذا ينتظر؟ أينتظر عذاباً كما حل بالمكذبين من قبله؟ أم ينتظر قارعةً تقرعه وهو على ضلاله؟ (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) تربصوا بالنبي وصحبه لم يراعوا فيهم قرابةً ولا عهداً وأصروا على الباطل مع وضوح الحق، ولم يسارعوا إلى الإيمان، فإذا كان الإنتظار فلينتظروا ومحمد معهم ينتظر، هم سيحل عليهم العذاب والمؤمنون ينجون برحمة الله لأن الله لا يعذب إلا بذنب (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ) وعد للمؤمنين تكرر في القرآن مرات بعد مرات، لا بد أن يتحقق للآخرين كما تحقق للأولين، لذلك تراه يواجه الناس بصراحة فيقول:(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) إن لم يصرحوا بالشك بلسان المقال فقد صرحوا به بلسان الحال لأنهم لم يؤمنوا بمحمد ولا بما جاء به، فإذا كان ذلك فإن محمداً لا يعبد إلا الله، لا يعبد الهتهم، وإنما جعله يعبد الله وحده اقتناعه بأن الله هو الذي أوجد من العدم وربّاه بالنعم، وهو القادر على أن يخلق الموت بالحي فيموت، لذلك يعبده إمتثالاً لأمره وتصديقاً بوعده، ثم حصل في الآيات التفات من الغيبة إلى الحضور فقال:(وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) توجه بكليّتك إلى الله مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، وحذاري حذاري أن تكون ممن يشرك به غيره لا في طلبٍ ولا في قضاء حاجة، فإن كل من عداه لا ينفع ولا يدفع (وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ) إن من يترك الله القوي الغني القادر ويتوجه إلى غيره في جلب نفع أو دفع ضر كان كما قال الله: (فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) لأن من يلتجيء إلى غير الله في كشف الضر أو جلب نفع لم يحصل على ما أراد (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) إن الله هو الواحد الأحد القادر على نفع العباد ودفع الضر عنهم، فهو الذي يصيب من يشاء من عباده بفضله ويبتلي من يشاء بعدله، وهو الساتر لعباده الرحيم بهم يستر عن الناس ذنوبهم ليعفو عنهم ويأخذ بأيديهم على طريق الخير، لأن كل خير بفضله، لذلك ختمت السورة بنداء الناس كل الناس إلى اتباع الهدى لا على طريق الأمر ولكن على طريق الخبر فقال:(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) فالرسول يبلغ عن الله ويدعو اليه، فمن يقبل دعوته ينفع نفسه ومن يرفضها يضر نفسه، وليس الرسول حافظاً له يجبر الناس على الخير ويمنعهم من الشر، ولكنه يبيّن لهم ليمتنعوا باختيارهم فيكونون عباداً طائعين لله مقبلين عليه، على أن القرآن حين أمر الناس باتباع الحق ناسب أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بأمرين لا ثالث لهما، أشار إليهما بقوله:(وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) أمره أن يتبع ما أوحى إليه ليقتدي به الناس فيسيرون سيره ويتبعون منهجه ويتخلقون بأخلاقه، يعلمهم كيف يواجه الباطل وكيف ينصر الحق، كيف يقيم الحياة على أساس من الوحي الإلهي واتباع لمنهج السابقين من الأنبياء، وذلك لا يتحقق إلا بالصبر على الطاعة والصبر عن المعصية والصبر على الناس في حسن التعامل معهم والتلطف في دعوتهم، إلى أن يأتي اليوم الذي يتولى الله فيه الحكم بين خلقه فيحكم بالعدل لأنه خير الحاكمين. هكذا تنتهي سورة يونس وقد ختمت ببيان الصفات الكاشفة بالذين لا يؤمنون، قدراً وواقعاً وحساً، فبينت لنا صفاتهم الكاشفة حتى لا نتأسى بهم ولا نتخلق بأخلاقهم ولا نتبع منهجهم، فاللهم وفقنا أن نكون مؤمنين صادقين عاملين مخلصين والحمد لله رب العالمين.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة